مصر وتركيا.. المصالح تتقاطع!

الجمعة 6 فبراير 2026 - 6:35 م

يعتقد البعض أن تداعيات حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة ساهمت إلى حد كبير فى تفعيل وتسهيل التقارب بين مصر وتركيا بعد سنوات من الجفاء والعداء والفتور الذى شاب العلاقات بين البلدين منذ إزاحة جماعة الإخوان عن الحكم فى مصر.
هذا الاعتقاد يجانبه الصواب تماما، إذ إن عودة الدفء للعلاقات بدأ عام ٢٠٢١ فى شكل جولات حوار استكشافية بين البلدين، ثم كان الانطلاق الحقيقى لهذا التقارب من استاد البيت فى قطر، عندما تصافح الرئيسان عبدالفتاح السيسى ورجب طيب أردوغان لأول مرة على هامش حفل افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم عام ٢٠٢٢، لتبدأ بعدها جولات مهمة من اللقاءات الدورية بين المسئولين فى البلدين، نتج عنها فى شهر يوليو عام ٢٠٢٣ الاتفاق على رفع التمثيل الدبلوماسى بين مصر وتركيا وتعيين سفيرين لأول مرة بعد قطيعة استمرت عشر سنوات.
صحيح أن الحرب على غزة كانت محطة تقارب واضحة بين مصر وتركيا، اللتين شكلت مواقفهما منصة تصدٍ ورفض وممانعة قوية لجرائم الإبادة الصهيونية ومخططات تهجير الفلسطينيين من القطاع، إلا أنه يجب النظر إليها باعتبارها جزءا من الصورة الأكبر والأشمل والأعم، ونعنى بذلك وصول البلدين إلى قناعة راسخة بأن تقاطع المصالح فى الكثير من الملفات الإقليمية، فضلا عن التعاون الاقتصادى المشترك، يحتم عليهما إعلاء مبدأ البراجماتية أو الواقعية فى العلاقات وطى صفحة خلافات الماضى الضيقة لمواجهة التحديات الهائلة التى تفرضها التطورات السياسية والعسكرية فى المنطقة.
ربما كان هناك إدراك سابق من مصر وتركيا قبل التطورات والتحديات الحالية لضرورة التقارب وتجاوز الخلافات بين دولتين وقوتين كبيرتين فى المنطقة لا يصح أن يظلا على نفور وتباعد وجفاء، لكن حالة السيولة بالإقليم فى اللحظة الراهنة ومخاطر الفوضى الشاملة ومخططات التقسيم وتفتيت الدول التى تجرى على قدم وساق، تدفع الدولتان دفعا إلى مزيد من التقارب وبناء تحالف قوى لمنع نذر الخطر التى تهدد مصالح الجميع.
من هنا فإن زيارة أردوغان الأخيرة إلى القاهرة يمكن وضعها فى هذا الإطار، حيث وقعت مصر وتركيا اتفاقا للتعاون العسكرى، وكذلك مذكرات تفاهم فى مجالات رئيسية، تشمل التعاون فى الاستثمار والتجارة والزراعة والصحة والشباب والرياضة والحماية الاجتماعية، فضلا عن التأكيد على ضرورة رفع حجم التبادل التجارى بين البلدين والذى يبلغ حاليا نحو 9 مليارات دولار إلى ١٥ مليارا بحلول عام ٢٠٢٨، وذلك للارتقاء بالعلاقات إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية.
أما على صعيد التطورات فى الإقليم، فقد بدا واضحا تلاقى الرغبة المصرية والتركية فى ضرورة ترسيخ وقف إطلاق النار فى غزة وبدء إعادة الإعمار فى القطاع، وكذلك الحفاظ على أمن واستقرار وسيادة ليبيا وسلامتها الإقليمية ووحدتها السياسية ورفض تقسيم السودان والصومال وعدم القبول بأى وجود عسكرى على سواحل البحر الأحمر بما يخالف القانون والأعراف الدولية، وأيضا الإقرار «بالأهمية الحيوية لنهر النيل لمصر فى ضوء ندرة المياه بها»، وهو ما يعنى دعم الموقف المصرى الواضح بضرورة التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم بشأن سد النهضة الإثيوبى.
ليس هذا فحسب، بل إن مصر وتركيا اتفقتا على «تكثيف جهودهما التنسيقية ومع الدول الإقليمية الأخرى المعنية لدعم جهود خفض التصعيد فى الشرق الأوسط وخلق مناخ مواتٍ لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران»، وهو ما يعنى العمل على كبح جماح التدخل العسكرى الأمريكى ضد طهران، والذى يؤثر بالتأكيد على المصالح الإستراتيجية لمصر وتركيا.. فالأخيرة ترتبط بحدود مباشرة مع الجمهورية الإسلامية وتخشى أن يؤثر أى تصعيد أو مواجهة على أمنها واستقرارها، كما أن أى تصعيد حال حدوثه سيلقى بظلاله أيضا على الممرات الملاحية بالمنطقة وفى القلب منها قناة السويس.
إذن زيارة أردوغان إلى القاهرة الأسبوع الماضى، وما نتج عنها من اتفاقات وتفاهمات، كانت تجسيدا للواقعية المجردة التى ينبغى أن تحكم العلاقات بين الدول، خصوصا فى لحظة اشتعال وفوضى وخطر تتهدد الإقليم بكامله، وانعكاسا صريحا لمقولة «لا عداوات دائمة أو صداقات دائمة.. ولكن هناك مصالح دائمة»، التى تنسب لرئيس الوزراء البريطانى الأسبق وينستون تشرشل، وتعبيرا عن رغبة حقيقية فى تجاوز تأثيرات الماضى السلبية نحو أفق أكبر يحافظ على مصالح البلدين ويفتح مزيدا من نوافذ التعاون بينها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة