فى حُجرة السّكرتارية، وقفت عاملتا نظافة فى منتصف العمر تقريبًا؛ تتبادلان الحديث حول استحقاقاتِهما المادية التى لم تصلهما منذ فترة. بقيتا تتجادلان لدقائق طوال وقد استقرَّت فى يدّ إحداهما ورقةٌ تحمل طلبًا مشتركًا، وأخيرًا تشجَّعت الأكبر عمرًا، وقرَّرت أن تدخلَ مكتب المدير. خَطت طارِقةً الباب، هاتفةً كأنها تشجع نفسَها وتنفض عنها أسبابَ التوتُّر: "هى موتة ولا أكتر؟". خرجت بعد لحظاتٍ قصيرة ووجهها عابس يَكسوه الإحباط، وغادرت خلفها زميلتُها حانقة، واندلع بينهما فى التوّ جدالٌ جديد؛ حول المواجهة التى لاحت خاسرة.• • •يجد أغلبُنا صعوبةً فى الإقدام على عملٍ قد تكلّله نتائجٌ سلبيَّة أو عصِيَّة على الاحتمال؛ والعادة أن نحتاجَ إلى ما يُزكى داخلنا روحَ التحدّى، ويدفعنا نحو سلوك الطريق الوعرة دون تأجيل أو مُماطلة؛ فإن اضطررنا لاتخاذ قرار حاسمٍ من المُمكن أن يُفضيَ إلى الهلاك، وباتت النهاية متوقعة بصورة أو أخرى؛ تسَلَّحنا بالقولة الشهيرة: "تعدَّدت الأسبابُ والمَوت واحد"، نريد بها إزالة التردُّد وتقوية العزيمة، وتأجيج العاطفةِ المُحرضة على القيام بالمطلوب. • • •فى إطار مقارب اعتدنا أن نقول: "العمر واحد والربّ واحد"، والقَّصد أن المصيرَ مُحدَّدٌ سلفًا؛ لن يغيره الحذر ولن يمنعه الإحجام. القولة تشجيع وحفز، إضافة إلى كونها تهوينًا من شأن المخاوف وتقليلًا من وطأة المَخاطِر؛ لكن شيئًا لا يحتم أن يؤمن بها القائلُ أو أن يطبقها بنفسه ما اختبره الواقع؛ فقد يفضل آنذاك الاستعانة بمقولة معاكسة تقيه ما يخشى تداعيات؛ كأن يدفع على سبيل المثال بالتعبير الشعبيّ الشهير: "العمْر مش بَعزَقة".• • •درسنا خلال زمن انقضى قصائد منتقاه لمحمود سامى البارودى، تضمَّنتها مُقرراتُ اللغة العربية التى تخفَّفت فى وقتنا الحالى مما ثقل وزنه وارتفعت قيمته؛ واحتفظت بالقشور. فى الذاكرة أحد هذه الأبيات ويقول: "قئولٌ وأحلامُ الرجال عوازبُ.. صئولٌ وأفواهُ المنايا فواغر". الأسلوب التقريرى الصارم يعلن استعدادَ صاحبه لتولى المَهام الجّسام؛ وإن تلبَّدت الأجواءُ المُحيطة به وسَاءت الظروف، أما صيغة المُبالغة التى يبدأ بها كلُّ شطر على حده؛ فترسخ المعنى وتجرده من الشُّكوك والاحتمالات. عُرِفَ البارودى بلقب "ربُّ السَّيف والقلم"؛ وقد تولى المناصب الوزارية بعدما التحق بالسلك العسكرى، وله مُنتَج شعريّ مُتميز يثير التأملَ والإعجاب، كما يلفت الانتباه إلى قدراتٍ لغويَّة متفوقة؛ تبعث بالحَسرة على ما آلت إليه من بعد أحوالُ الثقافة والإبداع. • • •ثمَّة بيتٌ قريب الشبه، وضعه ابن الرومى منذ قرون ويقول: "تجود بنانُه والغيثُ مُكدٍ.. ويمضى عزمُه والسَّيفُ نابٍ"، والحقُّ أن الظروفَ العصيبة تُجبِر الغالبية العظمى على التخلى عن روح المبادرة وترك الرغبة فى العطاء؛ لا ينجو إلا من كانت همته جدٌّ صلبة، وإرادته عتية، وبصيرته صافية؛ لا تلوثها الملمَّات العابرة، يمضى بها مبتعدًا عن ركاب الهزيمة ولا ينحنى للريح مهمًا عصفت. القدرة على الاستمرار مع تنحى الآخرين إحدى شِيم النبلاء الذين يُعَدُّون نُدرةً حقيقية؛ من زمن ابن الرومى إلى زمن البارودى ووصولًا لزماننا الحاضر؛ فالغالبية العظمى من الناس تنحو إلى التزام المسلك الآمن؛ لا يغريها التحدى ولا يفتنها بهاءُ الشجاعة والإقدام. الناسُ فى يومنا هذا صُموت قعود، تلهيهم قصائد الصَّبر وتُطيِّب خواطرهم حكمةُ الانحناء. • • •يقول التعبير الدارج: "تحدّى وانت مش قدّي". المناطحة اللفظية هنا بمنزلة حكم مُسبَق، والتكافؤ بحسب القولة مُنعدِم، والهزلُ فى الكلمات جليٌّ لا يحتاج لتنبيه. هى القريحةُ خفيفةُ الظِّل التى نتحلى بها، والتى توفِّر لنا مساحات من التنفيث عن المصائب والتروح؛ فإن أراد واحد مناوشة الآخر وكانا فى مَوضِع تنافس؛ استخدم هذا التعبير موضحًا منذ البداية أنه الفائز، وأن منافسه مَغلوب ولا جدال. • • •اشتهر أبو الطيب المتنبى بقصائده الجريئة المُدجَّجة بالمباهاة والفخار، وقد وضع بيتًا موجزًا أقل شهرة من غيره يقول: "إذا كان ما تنويه فعلًا مُضارعًا.. مَضى قبل أن تُلقَى عليه الجوازِمُ". الجوازم هى أدوات الجزم المعروفة لغويًا والتى تمثل قيودًا رمزية على الفعل؛ تنتقص منه وتكبل حركته وتحكُم ضبطه، والقَّصد إجمالًا أن تتحقَّق النيةُ قبل أن توقفها أيُّ حواجز، وأن تتجسَّد فى التوّ واللحظة؛ فلا تبقى سجينة القول وحَسب. التلاعب بالألفاظ والقواعد اللغوية مُمتع مثير ما اقترن بالأدب والمجاز، والمتنبى من أبرع الشعراء والمفكرين فى آن، كلماته دقيقة وتعبيراته مكثفة؛ تصل الهدف بمهارة لافتة وتترك فى عقول المتلقين بصمة لا تُمحى.• • • لا يمثل التحدّى اختيارًا مناسبًا على الدوام؛ حتى ولو تأكد المرءُ أن فى استطاعته الفوز أو إحراز مكسب ما، ولو كان على يقين من أنه الأوفرَ حظًا والأعلى شأنًا. أنشد رهينُ المحبسين فى لزومياته: "وإنى وإن كنت الأخيرَ زمانُه.. لآت بما لم تستطِعه الأوائلُ.. ألا فى سبيل المَجد ما أنا فاعلُ.. عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائلُ.. أغدو ولو أن الصباح صوارمٌ.. وأسْرى ولو أن الظلامَ جحافلُ.. ولما رأيت الجهلَ فى الناس فاشيًا.. تجاهلت حتى ظنَّ أنى جاهلُ". تمضى الأبيات الأولى فى مسار الفخر المألوف؛ لكن البيتَ الأخير يستوفى شروط الحكمة التى اشتهر الفيلسوف بها؛ إذ هو إقرار صريح بأن مُواجهةَ الجُّهلاء ومقارعتهم بالحُجَّة، أمرٌ لا يثمر؛ إنما هو مَضيعةٌ للجهد واستنزافٌ للعقل، واستدراجٌ نحو مستنقع التفاهة، ولا عجب إذًا أن ينحوَ أبو العلاء إلى إهمال ما قد يعطل عقله، وأن يعزفَ عن الاشتباك مع كلّ ما لا طائل من ورائه؛ ولو رُمِيَ هو نفسُه بالجَّهل.
مقالات اليوم عماد الدين حسين من يستفيد من المنح الدولية؟ خالد سيد أحمد مصر وتركيا.. المصالح تتقاطع! ليلى إبراهيم شلبي عادات غذائية: متى يكون التغيير مطلوبًا؟ أسامة غريب الضيافة وما أدراك ما الضيافة ناجح إبراهيم دروس من حياتى عمرو حمزاوي دور القوى الوسيطة فى عالم اليوم.. مصر نموذجًا محمد زهران هل تكفى التكنولوجيا للتقدم؟ محمود قاسم الزائرة محمد الهوارى توقعات ٢٠٢٦.. خليفة خَلف خَلف الله خِلف خِلاف معتمر أمين ما وراء ستار التفاوض.. الخليج على شفا مواجهة جديدة! صحافة عربية لماذا لن تعارض أوروبا الولايات المتحدة إطلاقًا؟
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك