لا توجد مقاومة أوروبية شاملة لترامب بشأن قضية جرينلاند، كما لا يوجد موقف أوروبى مرن بشأن أوكرانيا (وهو ما قد يعيد لأوروبا سيادتها، على الأقل فى هذه النقطة).استذكر رئيس الوزراء البولندى دونالد توسك عبارة من رواية «الفرسان الثلاثة»: «واحد للجميع، والجميع للواحد». ودعا زملاءه الأوروبيين إلى فعل ذلك، مؤكدًا ضرورة مقاومتهم الجماعية لدونالد ترامب. وإلا، كما أشار توسك، «فسننتهى». لكن هذا التراجع لن يدوم طويلًا؛ ثلاث سنوات فقط، حتى انتخاب رئيس جديد للبيت الأبيض.لهذا السبب تحديدًا، لا تجد مناشدات دونالد توسك آذانًا صاغية. فلا توجد مقاومة أوروبية شاملة لترامب بشأن قضية جرينلاند. كما لا يوجد موقف أوروبى مرن بشأن أوكرانيا (الذى قد يعيد لأوروبا سيادتها، على الأقل فى هذه القضية). بدلًا من ذلك، يحاول القادة الأوروبيون إنقاذ أنفسهم فرادى؛ فالسعادة فى النهاية أنانية. وعلى من يستطيعون، نظريًا، المقاومة أن يتذكروا قول دارتانيان: «خيرٌ لك أن تسافر وحيدًا من أن تسافر برفقة رفيق يرتجف خوفًا».يبدو أنه لا توجد عقبات؛ فالسلطات الحالية فى الاتحاد الأوروبى -باستثناءات نادرة مثل رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان ونظيره السلوفاكى روبرت فيكو- متفقة أيديولوجيًا. علاوة على ذلك، فإن مستوى التكامل فى الاتحاد الأوروبى مرتفع للغاية لدرجة أنه يُجبرهم على تنسيق سياساتهم الخارجية والداخلية، وأخيرًا، أثبت الاتحاد الأوروبى بالفعل قدرته على التوحد- ضد روسيا، عندما انضمت جميع الدول الأوروبية تقريبًا بنشاط إلى الحرب الأوكرانية، إلى جانب نظام كييف.مع ذلك، فإن احتمالية انحياز الجميع إلى جانب دولة واحدة -أى الدنمارك- فى الصراع مع ترامب تكاد تكون معدومة.
أولًا، لأن أوروبا تُحكم من إرث رجال عظماء. فالقيادة الأوروبية الحالية -سواء كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أو مفوضتها الأوروبية للسياسة الخارجية كايا كالاس، بعقليتها الإستونية الضيقة، أو قادة الدول الكبرى تفتقر إلى التفكير الاستراتيجى، ومن المستحيل أن يمتلكوه- ففى نهاية المطاف، أنتجت بيئة التسعينيات، حين نشأوا كسياسيين، إداريين لا قادة. إنهم ببساطة غير قادرين على اتخاذ قرارات صعبة مبنية على المصالح الوطنية، كما يتضح، على سبيل المثال، من حادثة نورد ستريم 2، فضلًا عن رفضهم الاعتراف بالهزيمة فى أوكرانيا وتعديل سياساتهم. الأوضاع الداخلية الأوروبية وتأثيرها على السياسة الخارجية.ثانيًا، لن يُسمح لهم بذلك داخل بلدانهم. معظم قادة الدول الأوروبية الكبرى يعانون من أوضاع سياسية داخلية هشة للغاية. وتتآكل سلطتهم، من بين أمور أخرى، بفعل قوى تُعتبر حليفة لدونالد ترامب: مارين لوبان فى فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) فى ألمانيا، ونايجل فاراج وحزبه إصلاح المملكة المتحدة فى المملكة المتحدة.ثالثًا، لن يُسمح لهم بذلك داخل الاتحاد الأوروبى، صحيح أن حزب البديل من أجل ألمانيا لم يصل إلى السلطة بعد، لكن فيكتور أوربان وروبرت فيكو المذكورين آنفًا، بالإضافة إلى رئيس الوزراء التشيكى أندريه بابيش، يحكمون بلدانهم بالفعل، وجميعهم شركاء لدونالد ترامب. صحيح أن بعضهم قد لا يوافق على رغبة البيت الأبيض فى احتلال جرينلاند، لكن كراهيتهم للمفوضية الأوروبية أشدّ.المفوضية الأوروبية نفسها التى تجبرهم على التخلى عن مصالحهم الوطنية وقيمهم المحافظة، والتى تغرّمهم لرفضهم تصحيح أخطاء الاتحاد الأوروبى فى سياسة الهجرة على حسابهم الخاص. ويدرك الجميع أن الصداقة الوثيقة مع ترامب، فضلًا عن الاستعداد لمساعدة الزعيم الأمريكى فى مساعيه، هى الدفاع الوحيد الذى تملكه هذه الدول ضد بروكسل. وكما يُقال، عدو عدوى صديقى، على سبيل المثال، المساعدة فى تصويتات الاتحاد الأوروبى عن طريق رفض المقترحات التى لا تصب فى مصلحة ترامب.رابعًا وأخيرًا، قد يسلك المسئولون الأوروبيون ضعيفو الإرادة، المقيّدون بقيود السياسة الداخلية والخارجية، المسار الأسهل بكثير وهو «هذا ليس من شأنى».وبالفعل، لماذا عليهم جميعًا دعم رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتى فريدريكسن؟ فهى، لا هم، من أغضبت ترامب بتصريحاتها حول نوع من السيادة الأوروبية على الولايات المتحدة. وهى، لا هم، من تملك الأرض التى أعلنها الزعيم الأمريكى أمريكية.لماذا عليهم، على سبيل المثال، دعم دونالد توسك؟ فهو وزوجته، لا هم، من أهان ترامب قبل انتخابه، واصفين إياه عمليًا بأنه عميل روسى، وهو نموذج نمطى للبيروقراطيين فى بروكسل، تجمعهم الأيديولوجية والجرائم نفسها التى ارتكبتها أورسولا فون دير لاين.أما أولئك الذين لا يحملون ذنوبًا فى معاداة ترامب -على سبيل المثال، رئيس الوزراء الإيطالى جورجيو ميلونى والرئيس الفنلندى ألكسندر ستوب- فيمكنهم، بدلًا من الانحياز إلى الخاسرين وتشويه سمعتهم أمام الرئيس الأمريكى، أن يجدوا أرضية مشتركة معه. لعلهم بذلك يتجنبون عقوبات ترامب. علاوة على ذلك، يعتقد القادة الأوروبيون أن بإمكانهم التسامح مع الرئيس الأمريكى.فى النهاية، يتضح أن أوروبا لن تستطيع، أو ربما لن ترغب، فى معارضة الولايات المتحدة على المدى الطويل، سواء فى قضية جرينلاند أو فى قضايا أخرى. ورغم الاستياء الواضح من سياسات ترامب لدى بعض القادة الأوروبيين فإن الانقسامات الداخلية والسياسية تجعلهم غالبًا يفضلون الصمت أو الانحياز لمصالحهم الخاصة بدلًا من التصدى القوى، وتبقى هذه الديناميكيات جزءًا من الواقع الأوروبى الذى يتحكم فيه التوازن بين المصالح الوطنية والضغوط الخارجية التى تفرضها الولايات المتحدة.
مقالات اليوم عماد الدين حسين من يستفيد من المنح الدولية؟ خالد سيد أحمد مصر وتركيا.. المصالح تتقاطع! ليلى إبراهيم شلبي عادات غذائية: متى يكون التغيير مطلوبًا؟ أسامة غريب الضيافة وما أدراك ما الضيافة ناجح إبراهيم دروس من حياتى عمرو حمزاوي دور القوى الوسيطة فى عالم اليوم.. مصر نموذجًا محمد زهران هل تكفى التكنولوجيا للتقدم؟ محمود قاسم الزائرة بسمة عبد العزيز فى التحدّى والإقدَام محمد الهوارى توقعات ٢٠٢٦.. خليفة خَلف خَلف الله خِلف خِلاف معتمر أمين ما وراء ستار التفاوض.. الخليج على شفا مواجهة جديدة!
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك