x قد يعجبك أيضا

الوافد والأصيل فى دراسات الواحات!

الثلاثاء 6 يناير 2026 - 6:55 م

فى عام 2023 صدر عن المعهد الفرنسى للآثار الشرقية فى القاهرة كتاب بعنوان «الواحات العثمانية.. الداخلة والخارجة فى مصر فى القرنين السادس عشر والتاسع عشر» من تأليف نيكولا ميشيل.
يشير المؤلف فى تقديمه للكتاب أنه بدأ هذا المشروع منذ عام 2011، بتشجيع من مدير موقع المعهد الفرنسى للآثار الشرقية فى منطقة دوش بجنوب واحة الخارجة.. على طريق واحة باريس ودرب الأربعين المفضى إلى السودان.
قام المؤلف بالاطلاع على وثائق تاريخية لعائلات مشهورة من الخارجة، لا سيما عائلات دوش التى تمد جذورها إلى نسب «الركابى». وترتبط الوثائق فى أرشيف العائلة بعقود الزواج، وملكية الأرض الزراعية، وحصص توزيع المياه وبساتين النخيل. وقد ركز المؤلف اهتمامه على التاريخ الاقتصادى والاجتماعى خلال الفترة من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر.
يقر المؤلف فى الافتتاحية أنه يستهدف صنفين من الجمهور:
• مؤرخو الدولة العثمانية، سواء فى خريطتها الأوسع أو فى نطاق حكمها لمصر.
• علماء الآثار، الذين ينشرون غالبية الأعمال العلمية حول الواحات ويعانون من نقص المعرفة الدقيقة بالعصر الإسلامى، رغم وجود الآثار الإسلامية أمام أعينهم.
يولى الكتاب عنايته بشكل حصرى إلى واحتى الداخلة والخارجة، معتبرًا أن واحات الفرافرة والبحرية ذات خصائص مشتركة مغايرة، بسبب ارتباطهما المباشر بوادى النيل عبر التبعية الإدارية فى الفترة العثمانية لإقليم البهنسا. أما واحة سيوة فلا يتعرض لها الكتاب نظرًا لخصوصية موقعها قرب البحر المتوسط وليبيا، وجذور الثقافة البربرية فيها، وقربها المباشر من القبائل البدوية، ومن ثم فهى تعد عالمًا منفصلًا من نواحٍ عديدة لا تشترك فيها مع الداخلة والخارجة.
يحاول الكتاب أن يجيب عن سؤال: هل كانت للداخلة والخارجة هوية عثمانية؟
وحين طالعت هذا الكتاب قلت لنفسى إنى أعرف فى الواحات عائلات لديها أرشيف غنى ولا تجد باحثين مصريين مهتمين بدراسته وتحليله، بمثل ما يهتم الباحثون الفرنسيون والأجانب.
وأعتقد أن وزارة الثقافة أو وزارة التعليم العالى أو الإدارات المحلية لو اهتمت بهذا الأمر وأعلنت عن نظام (فيه تقدير مادى وأدبى) لمن يتيح أرشيف العائلات للدراسة لاستفدنا كثيرًا بمعرفة تاريخ وتراث بلادنا فى الصحارى والواحات.
وحين انتهيت من مطالعة الكتاب تبين لى - كما هو فى كثير من هذه الحالات - أن المؤلف عاد إلى عدد مهم من المراجع العربية، فى مقدمتها موسوعة المقريزى «المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار»، وموسوعة «الخطط التوفيقية» لعلى باشا مبارك، فضلًا عن كتب الرحالة العرب والعثمانيين، ومن بينها رحلة أوليا جلبى إلى مصر.
تدهشنا هذه المراجع العربية فى كتاب فرنسى، ويبدو السؤال المطروح أمام الباحثين المصريين والعرب: لِمَ لا نتصدى لهذه الموضوعات؟
لا يمكن إنكار أن عددًا كبيرًا من الباحثين قد فعل ذلك بالفعل مع تلك المصادر، لكن قليلًا منهم اعتنى بالواحات فى صحراء مصر الغربية، ولعل هناك الكثير منها، لكننا لا نعرف عنه بالقدر الكافى لضعف المراجعات النقدية.
سأضع هنا 4 ملاحظات تبين منهج المعالجة فى الحالتين: المحلية والأجنبية.
• رغم أن المصادر العربية مكتوب بلغة صعبة على الباحثين الأجانب فإنهم -من خلال الرجوع إلى النسخ المترجمة أو اطلاعهم عليها مباشرة فى اللغة العربية- يستخرجون منها معلومات تبدو لنا وكأنها جديدة أو كانت مختبئة فى سطور النص العربى، ولم نكن ننتبه إليها. ويبدو أن ركون الباحث العربى إلى أن المصدر بلغته الأم -السهلة الميسورة- يصيبه بتكاسل نقدى يغفل فيه عن خبايا النص المكتوب، فتفوته بعض الإشارات المهمة.
ولعل ما يساعد الباحث الأوروبى فى استخراج المختفى بين السطور هو مقارنة هذه النصوص بنظيرتها من مؤلفات نفس الفترة فى لغات تركية وفرنسية وبقية اللغات الأخرى. والفضل هنا لوجود أرشيف وافر للبيانات لدى الباحثين القادمين إلى الصحارى المصرية ضمن بعثات أجنبية، بعد أن يكونوا قد درسوا بشكل كافٍ المصادر فى جامعاتهم الأوروبية.
• الفترة الزمنية الطويلة التى يخصصها الباحثون فى البعثات الأجنبية لمثل هذه المشروعات فى الواحات المصرية. فإذا كنا فى مصر نخصص من 3 إلى 4 سنوات لكل من الماجستير والدكتوراه، وقد نخصص سنة لكتابة كل بحث من بحوث ما بعد الدكتوراه، فإن هؤلاء الباحثين يعملون فى مشروع ممتد يتجاوز 10 سنوات، وقد يصل إلى 20 سنة، مما يوفر مزية التراكم والتأنى والتدقيق والمراجعة. كل ذلك مكفول بتمويل وتغطية مالية تجعلهم غير مشغولين بالزمن.
ووثيق بهذا المبدأ أن الباحثين فى البعثات الأجنبية للصحارى المصرية نادرًا ما يعمل الواحد منهم بمفرده، إذ هو دومًا جزء من مشروع جماعى؛ المتخصص فى المخطوطات يعمل بجوار المتخصص فى الفخار، والباحث فى اللغات يعمل بجوار الباحث فى التاريخ، والجغرافى يسير مع الجيولوجى.
• حالة الثقة والترحيب التى يلقاها الباحثون الأجانب من المجتمع المحلى الصحراوى أو من أهل الواحات، وقد كنت شاهد عيان على بعض هذه التجارب وسأرجى الحديث عنها لمناسبة أخرى. لكن على سبيل الإيجاز أود القول إن ما يفتح للباحث الأبواب فى المجتمعات المحلية أنه يبدو باحثًا مجردًا لا يمثل سلطة من الإدارة المحلية أو يمثل محافظة أو وزارة أو جهة سلطوية، وليس له -فى الظاهر- تحيزات دينية أو عرقية أو استعلائية ضد المجتمع المحلى، ولا يحتفظ بفوارق جهوية أو إقليمية أو قبلية أو عشائرية أو عائلية، فضلًا عن أنه لا يبدى أى أحكام تجاه الأديان والمذاهب. كما لا ينشر الباحث الأجنبى صورة فى كتاب للمجتمع المحلى إلا بإذن.
وهذا كله يفتح مغاليق كنوز من المعلومات. فى أحيان كثيرة لا يكون الباحث الأجنبى متحدثًا للعربية، لكنه يختار شخصية محلية تعرف اللغتين، وهنا يبرز ذكاء البعثات الأجنبية. هم يختارون من المجتمع المحلى شخصية توافقية ذات سمعة حسنة تكون محل ثقة من الطرفين.
• بخصوص المعالجة والكتابة والتحليل، يتفوق المنتج الأجنبى فى إعطاء أولوية للنقاش والتحليل والمقارنة والموازنة وتتراجع -على عكس بحوثنا- نسبة الوصف والسرد. ونلاحظ أنه حتى فى الفصول التى لا يكون فيها مفر من السرد والوصف فإن البحوث الأجنبية تتوخى الحذر من المبالغة فى إطلاق الأحكام المطلقة: لا تهويل ولا تهوين.
وهذه المسألة وثيقة الصلة أيضًا بثقافة الكاتب الواسعة، بمعنى أن المؤلف هنا يربط التحليل بسياق أوسع من مجرد الموضوع محل البحث، مما ينقذه من الوقوع دومًا فى الأزقة الضيقة لمتاهة الوصف والسرد.
فى الختام ألاحظ دومًا فى الأعمال التى نطالعها فى منتجات البعثات الأجنبية أن هناك طاقة تشع من الكتب، طاقة باحث سعيد بما يكتب.. مطمئن لتقدير عمله.. وواثق من أن كتابه سيلقى مكانه فى المكتبة العلمية وبين جمهور المهتمين.

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة