لقاء الأصدقاء نتنياهو وترامب
الثلاثاء 6 يناير 2026 - 7:10 م
التقى الصديقان، رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكى دونالد ترامب يوم الإثنين ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥، للمرة السادسة منذ لقائهما الأول فى ٧ فبراير ٢٠٢٥، حيث التقيا خمس مرات فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومرة خلال زيارة ترامب لإسرائيل فى ١٣ أكتوبر ٢٠٢٥. ويرى ترامب أن نتنياهو بطل قومى إسرائيلى لو كان لإسرائيل رئيس وزراء غيره لما كانت موجودة الآن. ويرى نتنياهو أن ترامب أفضل رئيس أمريكى فى علاقته مع إسرائيل، حيث يدعمها دائما.
وقد عُقد هذا اللقاء، الذى حرص ترامب على إتمامه فى منتجعه الخاص مار ألاجو فى ولاية فلوريدا تجنبا لرسميات أن يكون اللقاء فى العاصمة الأمريكية واشنطن، وسط تناول سياسى وإعلامى مكثف شمل الكثير من التوقعات، من بينها أنه سيكون لقاء عاصفا بين الرجلين وأن ثمة حالة من الغضب بين مساعدى ترامب من تلكؤ نتنياهو فى تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترامب لتحقيق السلام فى قطاع غزة، سواء بالنسبة لوقف تام لإطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية المتفق عليها أو فتح معبر رفح فى الاتجاهين، وأن نتنياهو يتذرع بأسباب واهية لعدم رغبته فى الانتقال للمرحلة الثانية من خطة ترامب. ورأى بعض الإسرائيليين، خاصة المعارضة، أن مستقبل نتنياهو السياسى وفى الانتخابات القادمة سيتوقف على مدى تجاوبه مع ترامب وعدم إغضابه وإشعاره بأن مصير خطته سيؤول إلى الفشل مما يؤثر على مصداقيته لدى الوسطاء والدول العربية والإسلامية التى تعهد ترامب لعدد من قادتها بتنفيذ خطته للسلام فى قطاع غزة. بينما رأى البعض الآخر أن إعجاب ترامب بنتنياهو لن يجعله يؤنبه أو يحتد عليه مثل ما سبق أن حدث مع زيلينسكى رئيس أوكرانيا، وإنما سيتعامل معه برفق وهوادة. بينما تراوحت التوقعات الفلسطينية والعربية ما بين الأمل فى أن يحرص ترامب على إنجاز وعوده بتحقيق السلام فى قطاع غزة والاستجابة لإعادة إعمارها، وأنه قادر على أن يأمر نتنياهو بتنفيذ ما يريده. ورأى آخرون أن لقاء نتنياهو وترامب يحيطه الكثير من المخاوف بحكم علاقة الصداقة بينهما وإعجاب ترامب بنتنياهو، إلى جانب التوافق فى المواقف دائما بين واشنطن وإسرائيل من واقع الالتزام الأمريكى الاستراتيجى بأمن وسلامة إسرائيل وحمايتها من كل ما قد يهددها فى الحاضر والمستقبل.
حرص المفاوضون الإسرائيليون الذين أعدوا للقاء نتنياهو مع ترامب على عدم التركيز الكلى على تحقيق السلام فى قطاع غزة، وقدموا للجانب الأمريكى حشدا من الملفات من بينها الملف النووى الإيرانى، ونزع سلاح حزب الله اللبنانى، وتوتر الموقف الإسرائيلى مع كل من سوريا وتركيا، وغيرها من الملفات فى الشرق الأوسط والقرن الإفريقى. كما بادر نتنياهو بإعلان اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال (صومالى لاند) دولة مستقلة مقابل ما يدعيه من إمكانية تهجير فلسطينيى قطاع غزة إليها، وإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية أو تسهيلات عسكرية تكون عونا لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فى حال قيامهما بهجوم عسكرى آخر على المنشآت النووية الإيرانية ومصانع برنامجها للصواريخ البالستية طويلة المدى، حيث يمكن للطائرات الحربية الإسرائيلية الاتجاه مباشرة من أرض الصومال عبر المياه الدولية فى بحر العرب لضرب أهدافها فى إيران دون حاجة لإذن للمرور فى أجواء دول الأخرى، وإن قول ترامب إنه لن يعترف بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة الآن يعنى أنه لا يعترض من حيث المبدأ على اعتراف إسرائيل بها، كما يعنى أنه قد يعترف بها مستقبلا.
• • •
جاء ترحيب ترامب المبالغ فيه عند استقباله نتنياهو أمام الصحفيين ليؤكد ما سبق توقعه من أنه، رغم وجود اختلاف بينهما فى بعض وجهات النظر، إلا أنها لن تؤثر على علاقتهما الودية وأن مساحة التوافق بينهما إزاء الأغلبية العظمى لقضايا الشرق الأوسط تميل دائما لصالح إسرائيل. وأن طلب ترامب بالانتقال إلى المرحلة الثانية لخطته للسلام فى قطاع غزة والقول بعدم إبداء نتنياهو اعتراضا ليس أمرا إيجابيا فى كل جوانبه الأساسية، حيث لم تلتزم إسرائيل حتى الآن بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من خطة ترامب، فلم يتوقف إطلاق النار ولا هدم المبانى، ولا تسمح بدخول الشاحنات بالمساعدات الإنسانية لقطاع غزة وهى ٦٠٠ شاحنة يدخل منها حتى الآن أقل من ٢٠٠ شاحنة يوميا، بل إن إسرائيل أصدرت قرارا لعدم السماح لأكثر من ٣٥ منظمة اجتماعية دولية، ومنها أطباء بلا حدود، بالعمل فى قطاع غزة إلا إذا قدمت كل منها قائمة بأسماء الفلسطينيين العاملين معها بمهلة تنتهى فى ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥، وهو ما لقى استنكارا عربيا ودوليا لأهمية عمل هذه المنظمات. كما أصرت إسرائيل على أن يكون فتح معبر رفح بين مصر وقطاع غزة لخروج الفلسطينيين من غزة فقط، بينما المفروض وفقا للمرحلة الأولى من خطة ترامب أن يفتح من الجانبين دخول وخروج من وإلى غزة. ويسعى نتنياهو إلى الظهور وكأنه قدم تنازلا كبيرا أثناء لقائه مع ترامب بالموافقة على فتح معبر رفح فى الاتجاهين وأنه سيعرضه على الحكومة الإسرائيلية المصغرة عند عودته إلى إسرائيل حيث إن زيارته للولايات المتحدة امتدت حتى ١ يناير ٢٠٢٦.
بدأ نتنياهو وحكومته يتمسكون بضرورة نزع سلاح حماس خلال فترة زمنية قصيرة دون الانتظار لبدء المرحلة الثانية وما تتضمنه من انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وإعادة الإعمار. وسبق أن تفهم الجانب الأمريكى أن نزع سلاح حماس مسألة معقدة تحتاج إلى مزيد من الوقت. إلا أن ترامب عقب لقائه مع نتنياهو وجه إنذارا لحماس بنزع سلاحها خلال شهرين وإلا ستواجه الجحيم. وهذا يعنى الاستجابة لمطلب إسرائيل وعزمها على نزع سلاح حماس بالقوة إذا لم يتم نزعه خلال شهرين دون تحديد آلية لتنفيذ ذلك خلال هذه المهلة القصيرة وقبل تشكيل الهيئات التى ستعمل فى المرحلة الثانية وهى مجلس السلام الذى سيشرف عليه ترامب، حيث لم يتم حتى الآن تحديد رؤساء الدول والحكومات الذين سيشاركون فيه. كما لم يتم تشكيل قوات الاستقرار الدولية فى المناطق التى ستنسحب منها القوات الإسرائيلية من قطاع غزة.
وقد أبدت بعض الدول مثل إندونيسيا وباكستان استعدادها للمشاركة فى هذه القوات دون تأكيد ذلك. ويتمسك ترامب بمشاركة تركيا فى هذه القوات وهو ما تعارضه إسرائيل ولم يعلن بوضوح موافقة نتنياهو على ذلك. كما لم يتم بعد تشكيل إدارة التكنوقراط الفلسطينية التى ستتولى إدارة قطاع غزة بدلا من حماس خلال الفترة الانتقالية التى تمتد حتى نهاية عام ٢٠٢٧. ولم يتم بعد تحديد العلاقات بين كل هذه الهيئات، وما هى مرجعية كل منها. وقد أعلن الرئيس ترامب أنه سيعلن تشكيل مجلس السلام فى منتصف يناير ٢٠٢٦.
أعلن ترامب أنه طلب من نتنياهو وقف أعمال عنف المستوطنين الإسرائيليين فى الضفة الغربية حتى يمكن الاستمرار فى الاتفاقات الإبراهيمية وتحسين صورة إسرائيل فى العالم، إلا أنهما لم يتفقا. ويلاحظ أن نتنياهو استطاع إقناع ترامب بتغيير ترتيب أولويات المرحلة الثانية من خطة السلام فى غزة بالتركيز على نزع سلاح حماس دون البنود الأخرى.
• • •
أعطى ترامب نتنياهو موافقة مشروطة لتوجيه ضربة عسكرية لإيران إذا لم تنجح المفاوضات معها عبر الوسطاء فى التوصل لاتفاق بشأن الملف النووى الإيرانى، مع ما يلاحظ من إبداء إيران بعض المرونة دون التخلى عن حقها فى تخصيب نسبة معينة من اليورانيوم للأغراض السلمية وفقا لاتفاقية منع الانتشار النووى. ويركز نتنياهو على مضى إيران فى تطوير برنامجها للصواريخ البالستية ويطالب بالقضاء على إنتاج الصواريخ طويلة المدى. وتواجه إيران حاليا ضغوطا داخلية بسبب غلاء تكاليف المعيشة وإندلاع عدة مظاهرات إلى جانب العقوبات والضغوط الخارجية.
أما بالنسبة لحزب الله اللبنانى، فقد حصل نتنياهو على ضوء أخضر من ترامب باستمرار توجيه ضربات إلى قواعد وقيادات حزب الله دون التصعيد إلى حرب شاملة، طالما أن الحزب لم يلتزم بتسليم سلاحه بنهاية عام ٢٠٢٥. هذا مع تجاهل أن إسرائيل لم تلتزم بوقف إطلاق النار وفقا لاتفاق نوفمبر ٢٠٢٤ مع الحكومة اللبنانية، ولم تنسحب من العديد من المناطق الحدودية فى جنوب لبنان لتسمح للجيش اللبنانى بالانتشار فى كل المناطق الجنوبية، مع التزام حزب الله بوقف إطلاق النار وانسحاب قواته لشمال نهر الليطاني. وتبقى عقدة أزمة لبنان تراوح مكانها.
وأبدى نتنياهو تجاوبا نسبيا مع ترامب فى التهدئة مع سوريا وتركيا، والاستمرار فى المفاوضات مع النظام السورى الجديد من أجل التوصل إلى اتفاق أمنى بين إسرائيل وسوريا، حيث يرى ترامب أن الرئيس السورى الانتقالى أحمد الشرع يعمل جيدا بما يتطلب مساعدته، خاصة بعد انضمامه للتحالف الدولى ضد داعش.
الحقيقة أن هذه القمة منحت نتنياهو قوة دفع كبيرة سواء للإبقاء على شروطه الأساسية بنزع سلاح حماس وإبعادها عسكريا وسياسيا عن قطاع غزة دون التزام واضح بانسحاب القوات الإسرائيلية، أو فيما يتصل باعتزامه الترشح فى الانتخابات الإسرائيلية القادمة ودعم ترامب القوى له والتمسك بتبرئته من الجرائم المنسوبة إليه أمام القضاء الإسرائيلي. وتبقى بنود المرحلة الثانية من خطة ترامب محاطة بالغموض وعدم اليقين سواء بالنسبة لانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، أو عدم التهجير، أو إعادة الإعمار.
مساعد وزير الخارجية الأسبق
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا