x قد يعجبك أيضا

احتكار الذاكرة فى العصر الرقمى

الثلاثاء 6 يناير 2026 - 7:15 م

فى آخر يوم من عام 2025، وقف ساعى البريد أمام بيت دنماركى هادئ، يتأمل الصندوق الصغير المعلّق. مدّ يده ووضع الرسالة الأخيرة، خاتما رحلة أربع قرون من البريد الورقى. كان يعلم أنه يطوى صفحة طويلة من ذاكرة البلاد، ليعبر إلى عصر بلا ورق، تاركا للأجيال القادمة صورًا لصناديق بريد كانت يومًا جزءًا من نبض الحياة اليومية.

 


بدأت فكرة البريد الكلاسيكى منذ العصور القديمة عندما احتاجت الدول إلى وسيلة تنقل بها الرسائل والأوامر عبر المسافات، كانت مصر القديمة أول دولة معروفة استخدمت رسلًا رسميين لنقل المراسلات الحكومية منذ نحو 2600 قبل الميلاد، بفضل جهازها الإدارى المركزى وابتكار ورق البردى الذى سهّل توثيق الرسائل وتداولها. وبعد ما يقرب من ألفى عام، طوّر الفرس فى عهد داريوس الأول (القرن السادس قبل الميلاد) نظامًا بريديًا أكثر تكاملًا وتنظيمًا، يعتمد على شبكة طرق ومحطات تبديل خيل تعمل ليلًا ونهارًا عُرفت باسم «الطريق الملكى» وكانت مخصّصة أساسًا للملوك والجيش والإدارة، ليصبح أول نموذج تاريخى لخدمة بريد حكومى متكاملة بالمعنى المؤسسى. وفى الصين، ظهر نظام بريدى حكومى واسع خلال عهد أسرة هان (206 ق.م ــ 220 م)، بينما أنشأ الرومان فى القرن الأول قبل الميلاد خدمة بريد رسمية تُعرف باسم Cursus Publicus لنقل الرسائل العسكرية والإدارية عبر إمبراطوريتهم.
فى كل تلك هذه الحضارات، كان البريد فى بداياته وسيلة رسمية تستخدمها الملكات والملوك والحكام والجيش، ولم يكن متاحًا للعامة إلا فى مراحل متأخرة جدًا. ومع تطور وسائل النقل فى العصور الحديثة ــ من الخيول إلى القطارات ثم الطائرات ــ أصبح البريد الكلاسيكى أكثر سرعة وانتظامًا، إلى أن جاءت الثورة الرقمية التى أعادت تعريف مفهوم الرسالة بالكامل عبر البريد الإلكترونى.
مع دخول العصر الحديث، شهد البريد نقلة نوعية بفضل الثورة الصناعية التى وفّرت قطارات وسفن بخارية، لكن التحول الأكبر جاء فى بريطانيا عام 1840 عندما أطلق السير رولاند هيل أول طابع بريدى فى العالم (Penny Black)، ووحّد تكلفة إرسال الرسائل، وجعل الخدمة متاحة للجميع. وقد ارتبط هذا التطور أيضًا بطبيعة الإمبراطورية الاستعمارية التى كانت بحاجة إلى نظام اتصال سريع وموثوق لمتابعة مستعمراتها وشئونها العسكرية والتجارية. مما ساهم فى نشر النموذج البريطانى للبريد الحديث فى العالم.
أما فى دول المنطقة العربية، فقد بدأ انتشار البريد الحديث تدريجيًا فى القرن التاسع عشر مع توسع النفوذ العثمانى والإصلاحات الإدارية، ثم مع دخول القوى الأوروبية إلى المنطقة. وفى مصر تحديدًا، تأسس أول جهاز بريد حديث فى مصر عام 1821 فى عهد محمد على باشا، ثم شهد تطورًا كبيرًا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، خاصة بعد تنظيم الخدمة فى عهد الخديوى إسماعيل وإنشاء ما عُرف بالبريد الخديوى، مع افتتاح مكاتب بريد رسمية فى المدن الكبرى. وفى عام 1875 انضمت مصر إلى الاتحاد البريدى العالمى، مما رسّخ مكانتها كواحدة من أوائل الدول العربية التى امتلكت نظام بريد حديث ومنتظم.
ثم جاء البريد الإلكترونى ليُحدث تحولًا جذريًا فى عالم الاتصال، إذ اختصر زمن الرسالة من أيام إلى ثوانٍ، وسمح بإرسال الوثائق مجانًا تقريبًا، مما أدى إلى تراجع كبير فى الرسائل الورقية. بدأت رحلته عام 1971 عندما ابتكر المهندس الأمريكى راى توملينسون أول نظام لإرسال الرسائل عبر شبكة أربانت، وهو من اختار رمز @ لعناوين المستخدمين. وفى 1976 أصبحت الملكة إليزابيث الثانية أول قيادية تستخدم البريد الإلكترونى، ومع الثمانينيات والتسعينيات تطورت الخدمة بظهور بريد مايكروسوفت التجارى، وإمكانية إرسال المرفقات، ثم خدمات بريد الويب مثل هوت ميل. وفى 2004 أحدث «جى ميل» نقلة كبيرة بمساحة تخزين غير مسبوقة، قبل أن ينتقل البريد الإلكترونى إلى الهواتف الذكية مع أجهزة بلاك بيرى، ليصبح جزءًا أساسيًا من الحياة الرقمية.
أدى البريد الإلكترونى إلى تراجع عدد الرسائل فى الدول المتقدمة بنسبة وصلت إلى 70 ــ 90%، وفى مصر والدول متوسطة النمو وصلت نسبة التراجع إلى 40 ــ 60% واختفت تدريجيًا وظائف كاملة داخل مؤسسات البريد. ومع توسع الرقمنة الحكومية، انتقلت الفواتير، والخدمات البنكية إلى المنصات الإلكترونية، ثم جاءت التطبيقات الفورية لتقضى على ما تبقى من الرسائل الورقية. وهكذا أصبح البريد الإلكترونى هو الخطوة التى مهدت لانتهاء عصر البريد الورقى.
وقد أعلنت الدنمارك قبل نهاية العام بيوم واحد عن تخليها النهائى عن البريد الورقى، وغالبا ما ستلحق بها دولًا أوروبية أخرى، لكن هذا التحول لا يمكن تعميمه بسهولة على الدول الأقل نموًا والتى تواجه تحديات فى الرقمنة والبنية التحتية والتعليم. فما زال البريد الورقى فى أجزاء واسعة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وسيلة موثوقة لإيصال الوثائق الحكومية، والفواتير، والإشعارات الرسمية، والتحويلات المالية، خاصة فى المناطق الريفية أو المهمشة التى لا تصلها الخدمات الرقمية. كما أن بعض الحكومات تعتمد على البريد فى توزيع المعاشات أو الخدمات الاجتماعية أو التواصل مع المواطنين.
قد تبدو رقمنة البريد خطوة طبيعية فى تطور الاتصال، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا حول من يملك الذاكرة البشرية فى العصر الرقمى، ومع انتقال الرسائل من الصناديق المنزلية إلى خوادم تملكها شركات تكنولوجية قليلة، باتت هذه الشركات تتحكم فى جزء كبير من رسائل الناس وأرشيفهم، عبر سياسات تضعها بنفسها وتستطيع تغييرها أو فرضها دون رقابة حقيقية. وهكذا تتحول الرقمنة من مجرد تقدم تقنى إلى مسألة سيادة، إذ تعتمد الدول والمجتمعات على منصات لا تملكها ولا تتحكم فى بنيتها. وبينما تمنح الرقمنة سرعة وفعالية غير مسبوقة، فإنها تضع جزءًا كبيرًا من ذاكرة العالم فى يد كيانات خاصة، مما يجعل السؤال الحقيقى ليس: هل الرقمنة جيدة؟ بل: من يملكها، ومن يضع قواعدها؟.
باحثة بمركز جنيف للدراسات

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة