إمبريالية بلا أقنعة.. ترامب يعيد أمريكا إلى جذورها الأولى

الثلاثاء 6 يناير 2026 - 7:00 م

لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، مطلع يناير 2026، مجرد عملية أمنية خاطفة، بل لحظة كاشفة فى تاريخ الإمبريالية الأمريكية فى أمريكا اللاتينية، أعادت إلى الأذهان فصولًا ظنّ كثيرون أنها طُويت مع نهاية الحرب الباردة؛ فحين أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، على متن طائرة الرئاسة، أن الهيمنة الأمريكية فى نصف الكرة الغربى لن تكون موضع شك بعد اليوم، لم يُغلّف رسالته بخطاب الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل قدّمها عارية: قوة، ونفوذ، وإملاءات مباشرة.

 


تاريخيًا، لم تكن أمريكا اللاتينية يومًا خارج المدار الإمبراطورى لواشنطن؛ من مبدأ مونرو عام 1823، الذى أعلن القارة «حديقة خلفية» للولايات المتحدة، إلى الانقلابات المدعومة أمريكيًا فى جواتيمالا وتشيلى، مرورًا بغزو بنما عام 1989 لاعتقال مانويل نورييجا، ظلّ التدخل الأمريكى يتبدّل فى أدواته لا فى جوهره. الجديد مع ترامب ليس الفعل بحد ذاته، بل اللغة التى تخلّت عن أى أقنعة أخلاقية. كما لاحظ مؤرخون أمريكيون، فإن حديثه يستدعى مباشرة زمن «دبلوماسية الزوارق الحربية» فى مطلع القرن العشرين، حين كانت واشنطن تقول ما تفعل، وتفعل ما تقول.
• • •
غير أن تجربة ترامب تكشف نمطًا متكررًا: براعة لافتة فى المرحلة الأولى من أى خطة يعلنها، مقابل ارتباك واضح فى الانتقال إلى المرحلة الثانية. فى فنزويلا، نجح فى إسقاط رأس النظام بسرعة ودقة، محققًا ما يشبه «لحظة اغتيال بن لادن» الخاصة به، كما وصفتها الصحافة الأوروبية. لكن ما بعد ذلك بدا ضبابيًا؛ هل تمتلك واشنطن تصورًا مستدامًا لإدارة بلد منهك، منقسم، ومشحون إقليميًا؟ وهل تراهن فعلًا على نائبة مادورو، ديلسى رودريجيز أم أنها مرحلة انتقالية بلا أفق واضح؟ الأسئلة تتراكم، فيما الإجابات غائبة.
هذا الخلل بين الفعل الأولى والتخطيط اللاحق ليس جديدًا. ظهر فى العراق بعد 2003، وفى أفغانستان، ويطلّ اليوم من جديد. ترامب يتقن الصدمة، لكنه لا يجيد البناء. وهو ما يجعل سياساته تحمل فى طياتها بذور فشلها، مهما بدت ناجحة فى بداياتها. فالإمبريالية لا تقاس بسرعة الضربة الأولى، بل بقدرتها على إدارة النتائج، وهنا تحديدًا يكمن المأزق.
• • •
فى الوقت نفسه، لا يمكن فصل ما جرى فى فنزويلا عن ملامح نظام عالمى جديد آخذ فى التشكل. الرئيس النمساوى ألكسندر فان دير بيلين التقط هذه اللحظة بدقة حين قال معلقا على اعتقال رئيس فنزويلا، إن العالم دخل واقع نظام دولى جديد تسود فيه شريعة الأقوى؛ فترامب، كما بوتين، لا يخفى منطقه: مناطق نفوذ، سيادة محدودة للدول الواقعة ضمنها، وقانون دولى يُستدعى حين يخدم القوة ويُهمَل حين يقيّدها. الفرق، كما يشير بعض المحللين الأوروبيين، أن الإمبريالية الأمريكية أقل دموية من الروسية، لكنها لا تقل خطورة على المدى الطويل.
هذا التحول يضع أوروبا، وأمريكا اللاتينية، بل والعالم بأسره أمام معادلة قاسية. فحين تمنح واشنطن نفسها حق إسقاط حكومات بالقوة، فإنها تفتح الباب، أخلاقيًا وسياسيًا، لقوى أخرى لتفعل الشىء ذاته. ليس مصادفة أن يتساءل مشرّعون أمريكيون عمّا إذا كان ترامب قد منح موسكو وبكين «تصريح مرور» لتوسيع نفوذهما الإقليمى.
• • •
فى نهاية المطاف، تعكس فنزويلا عودة الإمبريالية الأمريكية إلى جذورها الأولى، بلا تبريرات ليبرالية ولا شعارات كونية، لكنها تكشف أيضًا حدود هذه الإمبريالية فى عصر معقّد، متعدد الأقطاب، حيث لا يكفى إسقاط نظام لفرض الاستقرار. ترامب يبرع فى البداية، فى الضربة الأولى، فى الصورة الكبرى، لكنه يتعثّر حين يبدأ العدّ التنازلى للأسئلة الصعبة: ماذا بعد؟ وهنا، تحديدًا، يتشكّل جوهر النظام العالمى الجديد؛ نظام تحكمه القوة، لكن تعصف به الفوضى، وتدفع ثمنه مناطق بأكملها، تبدأ من أمريكا اللاتينية ولا تنتهى عندها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة