إسرائيل فى أرض الصومال
الإثنين 5 يناير 2026 - 8:50 م
أبت دولة الاحتلال الإسرائيلى إلا توديع العام المنصرم بتفجير قنبلة من العيار الثقيل؛ إذ أعلنت فى السادس والعشرين من ديسمبر الفائت اعترافها الرسمى بما يسمى «دولة أرض الصومال»، المعلنة من طرف واحد عام 1991، بغير اعتراف دولى. وإمعانًا منهم فى تضليل العالمين، برر الإسرائيليون تحركهم غير المشروع بحرصهم على دعم حق تقرير المصير لإقليم أرض الصومال، غير مبالين بإصرارهم المشين على سلب شعب فلسطين ذات الحق، الذى يكفله القانون الدولى، وتقره المواثيق الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة. فيما يُعترف اليوم بالدولة الفلسطينية العددُ نفسه من الدول الذى يعترف بدولة الاحتلال.
أماطت تداعيات العدوان الإسرائيلى على غزة اللثام عن أهمية خليج العقبة لدولة الاحتلال؛ بوصفه امتدادًا لممرات البحر الأحمر الحيوية، التى يمخرها زهاء 20٪ من تجارتها مع القارة الآسيوية. وبموجب هذه الصفقة المشبوهة، سيغدو لإسرائيل موطئ قدم استراتيجى حول مضيق باب المندب وخليج عدن؛ يخولها مراقبة التحركات العسكرية للحوثيين، الذين تسببت هجماتهم ضدها فى إرباك تجارتها البحرية وتعطيل ميناء إيلات. وبحسب دراسة سابقة نشرها «معهد دراسات الأمن القومى»، التابع لجامعة تل أبيب، تبعد أرض الصومال ما بين 300 إلى 500 كيلومتر عن معاقل الحوثيين باليمن، خصوصًا ميناء الحديدة. الأمر الذى يجعل إطلاق عمليات إسرائيلية ضدهم، انطلاقًا من تلك الأرض، بمثابة قلب للطاولة على الحوثى. إذ ستشكل أرض الصومال قاعدة متقدمة لتنفيذ مهام استراتيجية متنوعة، كجمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة التحركات العسكرية للحوثيين، وتقديم الدعم اللوجستى للحكومة اليمنية الشرعية فى حربها ضدهم. وسيتسنى لإسرائيل مجابهة قوى أخرى مناوئة لها فى باب المندب والقرن الإفريقى، كمثل إيران وحركة الشباب المجاهدين، التى توعدتها بالويل والثبور، حال تغلغلها فى أرض الصومال. كما سيكون بمقدور إسرائيل توسيع شبكة تحالفاتها خارج الدائرة العربية، بما يقلص عزلتها السياسية، فى ظل انتكاس مشاريع التطبيع. وبامتلاكها موطئ قدم دائم على خليج عدن، سيمكنها مراقبة باب المندب، والتحكم غير المباشر فى أحد شرايين التجارة العالمية، فضلًا عن لعب دور فى معادلات الأمن البحرى، وزيادة أوراق الضغط على مصر لتليين مواقفها الصلبة بشأن ملف غزة. وشبهت الدراسة التفاهمات بين أرض الصومال وإسرائيل بتحالف الأخيرة الوثيق مع أذربيجان، الذى عزز من القدرة الاستراتيجية والعملياتية الإسرائيلية على اختراق إيران واحتواء تهديداتها.
ليست ترتيبات إسرائيل المشبوهة بشأن أرض الصومال منبتة الصلة عن مخططاتها فى جنوب اليمن، السودان، أو إثيوبيا؛ حيث تتقاطع جميعها عند هدف استراتيجى مركزى، يتجلى فى تطويق البحر الأحمر بسلسلة من بؤر النفوذ العسكرية والاستخباراتية؛ تمهيدًا لإعادة رسم خرائطه الجيوسياسية. ويوحى تبرير واشنطن للخطوة الإسرائيلية ودفاعها عنها بوجود علاقة عضوية وتنسيق وثيق بين إدارة أرض الصومال وكلٍّ من تل أبيب وواشنطن، ما يجعل من المرجّح أن يكون القرار ثمرة تفاهمات مشتركة وخطوة محسوبة ذات تأثيرات سياسية وأمنية عميقة الأثر. إذ يبدو أن واشنطن تنوى تسليم الشرق الأوسط لوكيلها الإسرائيلى لتكريس نموذج الاستقرار بالهيمنة، حتى يتسنى لها التفرغ لمهام أدق وأصعب فى مشرق الأرض ومغربها؛ حسبما أقرت استراتيجية الأمن القومى التى أعلنها ترامب قبل أسابيع.
ابتغاء ذلك، هرعت إسرائيل إلى تشكيل شبكة تحالفات تنشد السيطرة على ممرات البحر الأحمر والمحيط الهندى. ومن ثم، دعمت قوات «الدعم السريع» السودانية بالسلاح واللوجستيات. وفى اليمن، باركت سيطرة المجلس الانتقالى الجنوبى الانفصالى، مطلع ديسمبر 2025، على محافظات شرقى البلاد الاستراتيجية، التى تربط الممرات المائية فى البحر الأحمر وباب المندب بالبحر العربى وخليج عدن. ووفق تحليل لمركز «مايند إسرائيل» بتل أبيب، فإن سيطرة الانتقالى على السواحل الجنوبية والشرقية أسهمت فى تقليص قدرة الحوثيين على تهريب الأسلحة الإيرانية برًّا، ومن ثم الحد من تهديد الصواريخ والمسيّرات الموجهة نحو إسرائيل. لذا، تستثمر الأخيرة فى سعى المجلس الانتقالى إلى انتزاع اعتراف بدولته المنشودة؛ إذ كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن تعهدات من جانب المجلس الانتقالى بالتطبيع مع إسرائيل، مقابل دعمها السياسى والأمنى لمسار الانفصال، بما يمنح إسرائيل موطئ قدم استراتيجى على خليج عدن، مع توسعة منشآت تابعة لها فى ميناء بربرة ومطار بوساسو، علاوة على انتزاع حضور قوى فى جزيرة سقطرى. يخولها إقامة قواعد عسكرية، ومنصات استخباراتية، ومرافق لوجستية، ونشر أنظمة رادار وإنذار مبكر فى جزر استراتيجية مثل زقر، وبريم، وسقطرى، وميون؛ بما يمكنها من مراقبة الملاحة البحرية، وتجفيف منابع تهريب السلاح الإيرانى للحوثى، وتتبع التحركات الإيرانية والحوثية فى بحر العرب وخليج عدن.
يتلاقى المخطط الإسرائيلى مع الطموحات الإثيوبية فى الوصول إلى البحر الأحمر؛ حيث تتوق أكبر دولة حبيسة فى العالم، منذ سنوات، إلى كسر عزلتها الجغرافية بشكل مستدام وكلفة أقل، وقد وجدت فى أرض الصومال فرصة ذهبية. وفى مطلع يناير 2024، وقعت إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال الانفصالى مذكرة تفاهم تحصل أديس أبابا بموجبها على حق استخدام واجهة بحرية للإقليم على البحر الأحمر بطول عشرين كيلومترًا، لمدة نصف قرن؛ مقابل اعتراف إثيوبيا رسميًا بجمهورية أرض الصومال. الأمر الذى يمثل، حال حدوثه، تهديدًا مزدوجًا لمصر؛ فعلاوة على مؤازرة إثيوبيا فى مساعيها لابتزاز القاهرة استراتيجيًا، سيتيح إدخال لاعب إقليمى معادٍ إلى معادلة التنافس على البحر الأحمر، بما يخل بالتوازن القائم ويهدد المصالح الحيوية المصرية.
تستغل إسرائيل اعترافها بأرض الصومال لإتمام مخطط تصفية القضية الفلسطينية، من خلال استراتيجية «الحلول خارج الأرض»، التى تتجنب إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية، وتعتمد هندسة ديمغرافية وجغرافية تنشد تفريغ قطاع غزة من فائضه السكانى تدريجيًا، عبر تهجير قاطنيه طوعًا أو كرهًا. وعلاوة على رغبة نتنياهو فى تسجيل نصر سياسى داخلى يعزز موقفه التنافسى إبان الانتخابات المزمع إجراؤها بعد أشهر معدودات، تحرص إسرائيل على تحجيم نفوذ إيران وتركيا فى القرن الإفريقى، خصوصًا بعد اعتزام الأخيرة إرسال سفن تركية الشهر المقبل إلى الصومال لتنفيذ أول مشروع للتنقيب عن الطاقة فى المياه العميقة خارج تركيا. وعبر الاعتراف بأرض الصومال قبل يومين من لقاء نتنياهو مع ترامب، تتوق إسرائيل إلى تأكيد دورها المحورى فى الاستراتيجية الأمريكية، كونها تحمى مصالح واشنطن فى البحر الأحمر، وسط تهافت القوى العظمى على النفوذ والموارد داخل القارة السمراء. وفى مقابلة مع فضائية الجزيرة نهاية الشهر المنقضى، أكد الرئيس الصومالى حسن شيخ محمود أن التمركز الاستراتيجى الإسرائيلى بأرض الصومال ليس وليد اليوم، حيث شكّل الاعتراف الحالى بالإقليم تطبيعًا لترتيبات كانت تُحاك فى الخفاء منذ زمن.
يأتى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ضمن سياق استراتيجيتها الرامية إلى توظيف الأقليات والكيانات الانفصالية لاختراق الدول العربية وبلقنتها؛ وهى الاستراتيجية التى نظّر لها مفكرون صهاينة كمثل برنارد لويس وأوديد ينون، الذى أكد فى مقالته المعنونة: «استراتيجية لإسرائيل فى الثمانينيات»، المنشورة عام 1982 بفصلية «كيفونيم»، الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية بالقدس، على ضرورة تفتيت الدول العربية والإسلامية. فمنذ ستينيات القرن الماضى، انبرت إسرائيل فى استمالة أكراد العراق، إذ كانت الدولة الوحيدة التى أيّدت علنًا استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017. وفى 1982، اجتاحت جنوب لبنان لطرد منظمة التحرير الفلسطينية وتدشين تحالف استراتيجى مع الطائفة المارونية، توطئة لتشجيعها على إعلان كيان مارونى مستقل. وتتويجًا لمسيرة دعم الحركات الانفصالية هناك، رحبت إسرائيل بانفصال جنوب السودان عام 2011. وعلى وقع اندلاع الثورة السورية ذات العام، تبنت استراتيجية «تحالف الأقليات»، التى تعتمد سلسلة من المبادرات الميدانية والسياسية والإنسانية إزاء التكوينات العرقية السورية، لتكريس الهيمنة، ورأت فى دعم القوى الكردية المسلحة فرصة نادرة لتفتيت وحدة سوريا ولجم التغلغل التركى فيها. وعقب سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، عززت التقارب مع الطائفتين العلوية والدرزية، بذريعة حمايتهما مما وصفته بالاضطهاد والتهديدات التى تلاحقهما. وبينما تشى تقارير بمخطط إسرائيلى مشابه حيال الأمازيغ فى دول شمال إفريقيا، لم تتورع دولة الاحتلال عن توظيف خطاب حماية المسيحيين فى المنطقة، عبر استدعاء السردية الغربية الاستعمارية بشأن الاضطهاد الدينى للأقليات فى الشرق الأوسط. وخلال مؤتمر صحفى مشترك عقده مع ترامب بفلوريدا نهاية الشهر المنقضى، أكد نتنياهو أن أمن الحدود مع سوريا وحماية الأقليات، لاسيما الدروز والمسيحيين، فى عموم الشرق الأوسط وإفريقيا، يتصدران أولوية السياسة الخارجية الإسرائيلية إزاء جوارها.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا