x قد يعجبك أيضا

«حالة طوارئ».. استدعاء الجيش.. قتل متظاهرين.. أهلًا بكم فى أمريكا ترامب!

الخميس 29 يناير 2026 - 7:50 م

عقب تأسيس الدولة الأمريكية بسنوات، وجهت سيدة تدعى إليزابيث ويلينج سؤالًا لبنجامين فرانكلين، أحد أهم الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية ومن أهم واضعى دستورها، حول ما إذا كان الدستور قد أنشأ ملكية أم جمهورية، فرد عليها بالقول: «جمهورية.. إذا استطعتم الحفاظ عليها». ويعد الدستور الأمريكى، رغم ما به من عوار، أقدم دستور مكتوب، ويفصل لأحد أفضل النظم السياسية فإن الدستور ما هو إلا مجموعة صفحات بها مجموعة كلمات فى أجزاء ومواد وتعديلات، وكقطعة من الورق، ليس للدستور قوة بمعزل عن قوة ووعى الشعب. ويدل ذلك على أن بقاء الحكومة، وحتى نوعها، يعتمد على اليقظة المجتمعية والواجبات المدنية للمواطنين.

 


وعلى مدى تاريخ الولايات المتحدة الذى يكمل عامه الـ250 الصيف المقبل، لم يضطر الشعب الأمريكى للالتفات إلى البيت الأبيض للتأكد من أن بلادهم جمهورية تمثيلية وليست ملكية تسلطية إلا أن السؤال الذى يتكرر بلا توقف منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض قبل عام لبدء فترة حكمه الثانية والأخيرة، يتجه نحو ما لم يتخيله أكثر الأمريكيين تشاؤمًا فيما يتعلق بنظامهم السياسى.
على مدى تاريخها، تغلبت الولايات المتحدة على الكثير من الصعوبات التى كادت تؤدى إلى انهيار الدولة، خاصة الحرب الأهلية بين عامى 1861-1865، وتبعات نظام العبودية، ومعارضة حركة الحقوق المدنية والمساواة بين جميع الأعراق، أو أزمات اقتصادية طاحنة؛ إلا أن أحدًا لم يشكك فى ديمومة النظام السياسى بما فيه من مركزية ولا مركزية، وتوازن ومراقبة السلطات لبعضها البعض، وبقاء القوات المسلحة بعيدة عن الشأن السياسى الداخلى، وعدم تسييس القضاء، وعدم اللجوء للعنف لحل الخلافات السياسية.
• • •
خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، انتشر 3 آلاف جندى وضباط مسلحين وبملابس عسكرية ويخفون وجوههم، يتبعون شرطة الهجرة فى شوارع وأحياء مدينة مينيابوليس، أكبر مدن ولاية مينيسوتا؛ وذلك للقبض على المجرمين من بين المهاجرين لترحيلهم. وتظاهر الآلاف من سكان الولاية ممن اعتبروا هذا التحرك احتلالًا لولايتهم. ونتج عن هذه المواجهة بين المتظاهرين وقوات الأمن مقتل مواطنين أمريكيين من البيض، هما السيدة رينيه جود، الأم لثلاثة أطفال، فى 7 يناير الجارى، وأليكس بريتى، الممرض بوحدات الطوارئ فى 24 من الشهر ذاته، بإطلاق النار عليهما من مسافة قريبة جدًا بأيدى ضباط الهجرة.
وقبل ذلك، هدد ترامب بإعلان حالة الطوارئ وإرسال قوات الجيش للسيطرة على الأوضاع فى الولاية، وهدد بمحاكمة حاكم الولاية المنتخب وعمدة المدينة المنتخب كذلك بتهمة عرقلة القانون ونشر الفوضى والتساهل مع المجرمين. وأصبح استنشاق الغاز المسيل للدموع شيئًا عاديًا فى شوارع وميادين مناطق المظاهرات بمينيسوتا.
• • •
لم تبدأ الأحداث فى مينيسوتا من فراغ؛ فترامب الذى شجع هجمات 6 يناير 2021 لقلب نتيجة الانتخابات الرئاسية التى خسرها عام 2020، بدأ بوضوح مع إعلانه العفو الرئاسى الواسع عن مئات المشاركين فى هذه الهجمات على مبنى الكابيتول واقتحام الكونجرس، وهو ما أدى إلى مقتل 6 رجال شرطة من حرس الكونجرس وإصابة المئات. كذلك لم يتردد ترامب فى منح ضباط شرطة الهجرة غير المدربين وغير المنضبطين «حصانة مطلقة» شجعتهم على استخدام غير قانونى ومفرط للقوة ضد المواطنين الأمريكيين.
مع تصاعد الغضب العام وحدّة المواجهات، هدد ترامب بتفعيل «قانون التمرد»، وهى خطوة استثنائية تمنحه صلاحيات عسكرية واسعة النطاق، وربما تتجاوز القيود الأخيرة التى فرضتها المحكمة العليا على استخدام القوات الفيدرالية فى تطبيق القانون. ولم يتردد ترامب فى تسريب أخبار عن نيته «فيدرالية» الحرس الوطنى فى مينيسوتا بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. ويخشى العقلاء وقوع صراع مسلح بين القوات الحكومية المحلية، صغيرة العدد والعدة، والقوات الفيدرالية ذات القدرات والإمكانيات غير المحدودة.
يبقى القضاء حصنًا أمام تغول الحكومة الفيدرالية، إلا أنه فى حالة الأحداث السريعة، من المحتمل أن تكون المحاكم غير قادرة أو غير راغبة فى التدخل فى الوقت المناسب، واعتبار ذلك صراعًا سياسيًا. وبموجب الدستور، لا يحق لأفراد الجيش الأمريكى إطلاق النار على المحتجين إلا إذا كانوا يدافعون حرفيًا عن حياتهم ضد تهديد وشيك. وقد أقسم كل جندى وضابط فى الجيش الأمريكى بالدفاع عن الدستور، وليس عن الرئيس، وهذا يمنحهم قوة رفض الأوامر غير القانونية.
يتذرع ترامب بأن قوانين الهجرة لن تنفذ لولا هذا التشدد فى تطبيقها، وبعد نجاحه فى غلق الحدود الجنوبية، انتقل للتركيز على ترحيل ما يقرب من 11 مليون مهاجر غير نظامى بكل الطرق المتاحة.
• • •
بدأ ترامب إدارته الثانية بتجميع فريق من الوزراء والمعاونين ممن يمتلكون صفة أساسية، وهى الولاء المطلق والكامل للسيد الرئيس. وعيّن ترامب فى مناصب وزارة العدل، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالى، ووزير الأمن الداخلى، ومدير مكافحة الإرهاب، ووزارة الخزانة، شخصيات مشكوكًا فى قدرتها وخبراتها، إلا أن ترامب لم يكترث بذلك. ومع اكتمال سيطرته على الحزب الجمهورى، وإجهاضه لأى محاولة للخروج عن «سياسة القطيع» الحزبى، لم يعد بيد الكونجرس إيقاف هوس الرئيس بالسيطرة والخروج على الدستور.
ودفع نجاح ترامب الرئيس السابق باراك أوباما ليستحضر كثيرًا عبارة «جمهورية، إذا استطعتم الحفاظ عليها»، ليؤكد أن الديمقراطية الأمريكية ليست مضمونة بل تتطلب مشاركة نشطة ومستمرة من مواطنيها. واستخدم هذه العبارة طوال فترة رئاسته وبعدها للتحذير من التراخى واللا مبالاة والاستقطاب السياسى، وكررها كثيرًا بعد فوز ترامب بانتخابات 2016. وبعد مقتل المواطنين، خرج أوباما عن صمته الذى التزم به منذ عودة ترامب للحكم، مطالبًا الشعب الأمريكى بالانتباه إلى خطر لم يتخيله أكثر المتشائمين بواقع ومستقبل أمريكا.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة