نشر موقع درج مقالًا للكاتب باسل الأمين، يوضح فيه كيف يتحول الخوف من مجرد شعور عابر إلى «نظام حياة» كامل يعيد صياغة علاقة الإنسان بجسده، ولغته، ومحيطه فى زمن الحرب.. نعرض من المقال ما يلى: عندما تُقرع طبول الحرب، لا تنهار المدن وحدها، بل تنهار أيضًا اللغة التى حاولنا بها أن نفهم العالم. تصبح النجاة الخيار الوحيد؛ فيهمّ بعض الناس بالرحيل، بينما يقرّر آخرون أن يبقوا فى أماكنهم. الحروب تعنينا جميعًا، ونكاد نملك الفكرة نفسها عمّا تعنيه. لكننا نختار سرديّات تقينا جحيم الآخرين، وتخفّف عنا عبء الاعتراف بفشلنا فى التعاطف الحقيقى معهم. ليس الآخر هو الجحيم، بل خوفنا من أن نتساوى معه فى المصير.أحترم أولئك الذين يتحرك الخوف فى داخلهم كما يتحرك الفطر فى باطن الأرض إبان العواصف الرعدية. ثمة نوع من الفطر كبير الحجم وكريه الرائحة يجذب الكثير من الذباب لنشر أبواغه فى الأرض، وينتشر فى الحدائق والمناطق الرطبة. شممت رائحته مرة فى أرض خضراء فى قريتى الحدودية. كانت الأرض فى غاية الجمال، لكن تلك الرائحة، وذلك الفطر الذى يُقال إنه طبيعى ويعيش ويتغذّى على التربة نفسها، يشبه إلى حد كبير مبدأ الخوف الذى يسكن قلب كل إنسان.للخوف أيام معدودة؛ حين يغيب لا يرحل طويلًا، بل يبحث فى الذات عن مأوى دفين إلى حين عودة العاصفة التى يمكنها أن تبعث به مجددًا.لا أحد يعرف ماذا يفعل بالخوف عندما يواجهه بشكل مباشر. يظن البعض أن الخوف عدو: منهم من يندفعون نحوه، ومنهم من يتجنبونه. وهناك آخرون ينظرون إليه على أنه مجرد غيمة ستمضى فى نهاية المطاف.الحياة مجاورة للخوف، هذا ما نتعلمه رويدًا رويدًا، إذ لا معرفة تُبنى من دون اختبار فعلى. من لا يخاف لا يملك فى قلبه ذرة رحمة أو إحساس. عندما أخاف أفكر أن أخرج للسير قليلًا، أو أن أضبط الطريقة التى أتنفّس بها. تعلّمت أن أقسم نَفَسى إلى ثلاث مراحل، ووجدت أن هذه الطريقة فعّالة للغاية.أسحب الهواء وأبقيه فى صدرى، ثم أعد إلى ستة وأتوقف. ثم أعد إلى أربعة قبل أن أفرغ رئتى من الهواء وأنا أعد إلى الثمانية. أفعل التمرين نفسه مرات عدة إلى أن ينخفض مستوى الخوف فى جسدى وأهدأ مثل موجة اقتربت من شاطئ البحر.هناك من يفضل القراءة كلّما شعر بالخطر، ومن يجبرهم خوفهم على قراءة عشرات الصفحات فى وقت قياسى. أبى مثلًا، عندما يخاف لا يمكنه أن يجلس؛ إذ يظل يسير بدون توقف، وكأنه يمرن عضلاته على الركض فى حال ورود إنذار بإخلاء المنطقة أو المبنى.لكل منا قصته الشخصية، تلك التى بُنيت على أذى نفسى أو على فكرة شخصية عن الخطر وعن موضعه فى الجسد. لكل منا فكرة تؤرّقه يمكنها أن تحدّد مصيره: فكرة خيالية، أو واقعية فى الخارج؛ فكرة يهرب منها أو يهرع إليها.أخاف من أشياء كثيرة؛ أفكار لا تُعدّ ولا تُحصى يمكنها أن تُدبّ الذعر فى نفسى، وأن تجعلنى أنام لساعات طوال استسلامًا لشدّة أثرها علىّ. لكن عندما يتحوّل الخوف إلى ورم، حينها نصبح مرضى أفول الحقيقة.أثر الحرب فى الجسد حقيقيّ. عندما بدأت الحرب، لاحظت أمرًا قد يبدو عاديًا فى ظاهره: ظهرت أعراض حساسية الحنجرة لدى بعض الأشخاص المقرّبين منى. المعروف عن الحساسية أنها ليست معدية، وربما تكون مرتبطة بتغيّر الطقس. لكن ما لا نعرفه عن الحناجر هو أنها تُستعمل فى حالات الخطر لطلب النجدة.وإذا حاولنا أن نفكّك هذا الأمر قليلًا، سنجد أن احتقان الحناجر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصرخات التى لم تجد سبيلًا للخروج، أو للتحوّل إلى حقيقة عبر اللغة؛ فتبقى هناك إلى أن تصير مجرد عارض مرضى.الخوف لم يعد مجرد شعور، فإذا به يتحول إلى نظام حياة كامل. نظام نتّبعه لنتنفس ولنقرأ ولنسير. فى الحرب يتحول الخوف إلى معرفة جسدية تسبق أى معرفة أخرى؛ يعرف الجسد اتجاه الخطر وصوت الطائرات وتوقيت القصف واهتزازات الأرض الناتجة من الغارات.تأتى المعرفة العقلية لاحقًا لكى تشكّل السردية تفسيرًا معنويًا ملائمًا، ومن خلالها نحاول أن نجد لأنفسنا حيّزًا فى هذا العالم كما تفعل اللغة حين تنظّم ما نعيشه.لكن هذه السردية لا تولد فى الفراغ. إنها تولد من مشاهد النزوح نفسها، من الطرقات الممتلئة بالأجساد والسيارات والحقائب، ومن الذاكرة التى تتشكل تحت ضغط الخوف.لا شىء بإمكانه أن يصف مشهد النزوح كاملًا. الشتاء لم يتوقف منذ يومين، والنازحون لا يسكنون اللغة كما يسكنون الطرقات، أو ربما يسكنونها أفضل منا نحن الذين يهمّنا من البيوت مجازها فقط.لا شىء يستطيع أن يصف هذه المعاناة سوى فكرة العجز نفسها؛ عجزنا حتى عن الوصف الدقيق، وعجزنا عن الفعل الأدقّ فى مواجهة هذا العدوان.هذه اللغة التى تحاول أن تصف شكل الصاروخ، وأن تميّز القذيفة من الحدث العسكرى والأمنى والسياسى، هى أيضًا لغة متشظية. هذا الموت كلّه لغة، وهذه اللغة كلّها موت. إنها مأساة تبحث عن بيتها فى العالم، ولا تجد غير الطرقات لتفترشها. هذا النزوح هو اللغة الوحيدة القاسية التى تجسّدت ونطقت فى زحمة السير، وزحمة الإنذارات، وزحمة الغارات.وفى النهاية، لا يوجد خوف واحد بل طرق متعددة للعيش معه. ومع مرور الوقت، يأخذ الخوف شكل البيت، أو هيئة العائلة، أو نسيج الذاكرة الجماعية.
مقالات اليوم محمد المنشاوي خلافات لا انقسامات! ترامب لا يزال مسيطرًا نيفين مسعد العفو عند المقدرة محمد بصل الحرب النفسية و«أصابع نتنياهو» إبراهيم العريس شادى عبدالسلام.. استذكار قبس من النور فى ساعات العتمة عماد عبداللطيف حرب الخطاب بين أمريكا وإيران
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك