يقترن فى ذهنى اسم الفنانة كيتى بالاستعراض اللطيف جدًا الذى شاركَت فيه مع إسماعيل يس فى فيلم «عفريتة إسماعيل يس». شاهدتُ لها بعض الأعمال السينمائية السابقة على هذا الاستعراض والأعمال التالية عليه، لكن لا تظهر صورة كيتى على شاشة عقلى الباطن والظاهر أيضًا إلا من خلال هذا الاستعراض بغّض النظر عن الفيلم نفسه. يصحو إسماعيل يس يوم صباحية زواجه من كيتى وهو يودّع العزوبية "فى ستين داهية" ويخرج لعمله وتودّعه عروسه حتى الباب. وما أن ينصرف حتى تستقبل كيتى أربعة رجال تغنّى معهم وترقص وتخبئهم فى الدولاب. يعود الزوج مبكرا من العمل ليأخذ دوسيها نسيه فى الدولاب فيفاجأ بالعشّاق الأربعة لعروسه، ويبدأ الاستعراض اللطيف. يقرر الزوج المخدوع قتل زوجته كما هو مقرّر فى سيناريو العمل لكن تستعطفه الزوجة للعفو عنها فيلين ويرّق قلبه ويغنى لها: العفو عند المقدرة أحسن كتير م الشوشرة.. العفو العفو العفو.. العفو عند المقدرة. قالوا المسامح ده كريم واللى اتعوج راح يستقيم، فترد عليه: حرّمت والله العظيم أعمل أمور الهنكرة".• • •بغّض النظر عن أصل كلمة "هنكرة" هذه، فإن ما قامت به كيتى فى غياب زوجها كان أعلى مستويات الهنكرة- ومتى؟ فى يوم الصباحية، ومع ذلك رقّ الحبيب وسامحها وغنّى ورقص معها بينما مخرج العمل فريد شوقى يصرخ فيه من خلف الستار: اقتلها اقتلها فلا يلتفت إليه. خفّة ظل متناهية لكيتى وهى تدافع عن نفسها أمام إسماعيل يس بعد كل هذه الهنكرة، أما خفة الحركة فشئ مبهر. بالكعب العالى جدا قفزَت كيتى من فوق المائدة وكأن شيئًا لم يكن، أما أمثالى من أعضاء حزب الكنبة فقد أحسوا بالوجع. بعد ذلك صرتُ أستعمل عبارة "العفو عند المقدرة أحسن كتير م الشوشرة" فى المناسبة ونقيضها. أستخدمها على سبيل الهزل عندما يهدد أحدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ثم ينزل تهديده على فاشوش، وكلمة فاشوش هى الأخرى من الكلمات التى نستخدمها بوفرة فى لهجتنا العامية دون أن نعرف مصدرها، إلا إن كان المقصود هو أنه مافيش شئ. كما أستخدم عبارة "العفو عند المقدرة" فى موقع الجدّ لأقنع شخصا ما بأن تجاهل الإساءة أفضل من الردّ عليها.• • •أما لماذا أكتب عن كيتى واستعراضها اللطيف فذلك لأننى علمتُ أنها ذهبَت إلى خالقها فى اليونان التى هاجرَت منها أسرتها إلى الإسكندرية قبل نحو قرن من الزمان، ثم عادت إليها لاحقا. بينى وبين نفسى تمنيت أن يكون الخبر مجرد شائعة كتلك الشائعة التى راجت عن وفاتها فى الثمانينيات، وما أكثر وأسخف من الشائعات التى تتعجّل موت الشخصيات العامة، ليس يدرى أصحابها كم يدوسون من المشاعر والقلوب. لكن بدأ لى أن الأمر هذه المرة ليس شائعة، والأعمار بيد الله ولكل أجل كتاب. فى سعيى للتحقّق من صحة الشائعة، وقعتُ على تحقيق صحفى ممتاز من ثلاثة أجزاء أعدّه الصحفيان محمد الشمّاع وعبد المجيد عبد العزيز على موقع عرب لايت من حوالى ست سنوات. لابد أن الشمّاع وعبد العزيز وقعا فى حب كيتى كما وقعتُ أنا فيه، فكّم الجهد المذهل الذى بذلاه لتتبّع تاريخ كيتى والتحقّق من كل شئ بدءا من تاريخ ميلادها وحتى شائعة وفاتها مرورا بشائعة تخابرها مع الموساد الإسرائيلي- يدعو للاحترام. قاما بمسح واسع لوسائل التواصل الاجتماعى، وبحثا عمن لهم صلة بكيتى، ثم فتحا حوارا معهم، ثم طلبا منهم نقل رسائل لها، والقاعدة هي: اللى يحب يبان فى شغله لا فقط يبان فى عينيه كما يقول أحمد رامى المحبّ الكبير. كنت أطلّ على كيتى من نافذة صغيرة، فإذا بهذا التحقيق يفتح لى باب شُرفة لأطّل منها على شخصيتها بشكل مريح للنظر. طفلة جميلة موهوبة وُلدت فى عصر كانت مواهب العديد من الأطفال آخذة فى التفتّح: فيروز ونيللى وميرڤت ولبلبة وضحى أمير (فيلم حياة أو موت: الدواء فيه سمّ قاتل) وأحمد فرحات وأحمد يحيى وإكرام عزّو ومنى وهبى (مسرحية أنا فين وانت فين: رايح اجيب الديل من ديله) وبوسى، وغيرهم وغيرهم، الفن يجرى فى عروق المصريين مجرى الدم. كانت مسام مصر مفتوحة وذراعاها أيضا مفتوحتان لكل صاحب موهبة فتحوّلت إلى هوليوود الشرق. وكان فن الاستعراض فى قمة ازدهاره، وفى هذا الفن بالتحديد تألّق اليونانيون والأرمن أكثر من غيرهم، ولا زلت حتى هذه اللحظة أشعر بنفس الانبهار أمام استعراضات فيروز فى أفلامها مع أنور وجدى، وأقاوم مصادر الاكتئاب بفوازير الخاطبة لنيللى، وأحّن من وقت لآخر إلى العفو عند المقدرة. هذه المرحلة كلها على بعضها موحية جدا وملهمة جدا وتشبه روح مصر جدا• • •من التقرير المخدوم لمحمد الشمّاع وعبد المجيد عبد العزيز أحببت كيتى أكثر فأكثر، هذه البنت الملحلحة، من أين أتت كلمة لحلحة؟ غير مهم، أما المهم فهو أن هذه البنت العفريتة لم يوقفها شئ أمام تحقيق أحلامها. من أجل أن تثبّت نفسها فى كازينو بديعة مصابنى تعلّمت الرقص الشرقى، ومن أجل أن تجد لنفسها مكانا فى الساحة المصرية تعلّمت اللغة العربية بلكنة بسيطة لا يكاد يلحظها أحد، أما موهبتها الفطرية فى الرقص فقد صقَلَتها بالتدريب. تجربة كيتى فى التعلّم المستمر نصيحة مجانية لأولئك الذين يتعجّلون الصعود ويترفّعون عن التعلّم فيكون عمرهم الفنى قصيرا ونَفَس موهبتهم مقطوعا. وبين سطور التقرير وجدتُ تفنيدا موضوعيا لشائعة جاسوسية كيتى، وهو تفنيد ارتاح له قلبى كثيرا وطمأننى إلى أن هناك باحثين لا يستسهلون السير وراء ما هو متداول ويسبحون أحيانا ضد التيار بحثا عن الحقيقة. جميل أن يُنقّى ثوب كيتى فى حياتها فالتقرير كما قلت من نحو ستة أعوام والأرجح أنها قرأَته، وهذا مهم جدا لتعويضها عن سيل التشكيك فيها من بعض أبناء البلد الذى وُلدت فيه وتشكّلت على ذوقه.. جعل الله لنا مَن يبيضّون صفحاتنا ونحن على قيد الحياة. غياب كيتى عن مصر وعدم عودتها لها بعدما سافرت فى الستينيات يشى بكم كان جرحها غائرا، فكثير من الفنانين الذين لاحقتهم الشائعات ومنها شائعة التجسس كمثل الراقصة هدى شمس الدين تركوا مصر وعادوا إليها، أما كيتى فلا.• • •أعدت مشاهدة استعراض «العفو عند المقدرة» للمرة الكم لست أدرى بعد أن انتهيت من قراءة التقرير الخاص بها، فلقد أحسست أن كيتى وحشتنى، ووجدتها كعادتها قمة فى الرشاقة والحضور وخفة الدم.
مقالات اليوم محمد المنشاوي خلافات لا انقسامات! ترامب لا يزال مسيطرًا محمد بصل الحرب النفسية و«أصابع نتنياهو» إبراهيم العريس شادى عبدالسلام.. استذكار قبس من النور فى ساعات العتمة عماد عبداللطيف حرب الخطاب بين أمريكا وإيران مواقع عربية النازحون من اللغة.. كيف يصبح الخوف ذاكرة جماعية؟
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك