أمران يدفعاننا هنا إلى استذكار شادى عبدالسلام، الفنان المصرى السينمائى الكبير، الذى ترك وراءه، حين رحل عن عالمنا، فيلمًا روائيًا طويلًا واحدًا هو «المومياء»، تلك التحفة الفنية التى لا يتردد عدد كبير من نقاد ومؤرخى السينما العربية فى اعتباره صاحب المكانة الأولى بين أعظم مائة فيلم فى تاريخ السينما العربية (كاتب هذه السطور يصنفه ثانيًا بعد «باب الحديد» ليوسف شاهين على أى حال).
أول الأمرين تقنى، إذ كان من الحرى بهذه الزاوية أن تضم ذكره قبل أسابيع قليلة إلى ذكر ستانلى كوبريك وغيره من كبار سينمائيى العالم الذين خلّفوا برحيلهم مشاريع لن تتحقق، لكنها اعتُبرت من «قمم الإبداع السينمائى» فى تاريخ الفن السابع على أية حال، لكننا أجّلنا الحديث عنه لزمن مقبل نعتقد أنه حان الآن.
وثانى الأمرين أن شادى عبدالسلام، بمشروع مجهض أو دونه، هو من أولئك المبدعين الذين لا ينبغى لذكرهم أن يغيب، وبخاصة لأنه يشكل بصيص نور فى ساعات العتمة. وهل ترانا عشنا ساعات أعتم من هذه التى نعيشها اليوم فى عالمنا العربى؟
من هنا نعود اليوم إلى شادى عبدالسلام وذكراه، من ناحية لضم مشروعه المجهض «أخناتون» أو «حكاية البيت الكبير» إلى «نابوليون» ستانلى كوبريك و«جبران» برهان علوية، وغيرهما من مشاريع تلك الأفلام/الأشباح التى أقل ما يقال فيها إنها حية فى ذاكرة السينما بأكثر مما تفعل آلاف الأفلام التى تحققت وشوهدت، ومن ناحية أخرى للحديث عنه ضمن إطار نوع من الحديث عن ضروب سوء فهم تمكنت خلال العقود الماضية من نسف الكثير من الأفكار النيرة فى حياتنا الإبداعية العربية.
صحيح أن الحيز المتاح هنا لا يوفر لنا مجالًا كافيًا للغوص فى هذا الموضوع، لكنه يعطينا حيزًا لطرح بعض الأسئلة من حول فنان عرفناه هادئًا عميقًا، حتى وهو يتعرض، ما إن أُعلن عن رغبته فى تحقيق فيلم عن "أخناتون"، للاتهام بأنه "فرعونى" و"رجعى" ومعادٍ للقومية العربية… وإلى آخر ما هنالك من مواصفات كان ولا يزال من أسهل الأمور على أشاوس القومجيين وأساطين العبث الفكرى أن يلصقوها بكل من لا يرى رأيهم.
ويقينًا أن شادى عبد السلام كان يندهش تمامًا أمام تلك الاتهامات التى وُجهت إليه، وتمكنت من المساهمة، على أية حال، فى نسف «أخناتونه»، حين تمكنت الضغوط من إحاطته بمواصفات عجّلت من رحيله متحسرًا، وهو يكاد يتمتم: «لست أفهم شيئًا مما يريده منى هؤلاء الناس».
والحقيقة أن ذلك المبدع الكبير لم يكن على السذاجة التى قد يوحى بها قوله هذا، لكنه كان من الذكاء بحيث يعرف أن أولئك «الناس» أنفسهم هم الذين اعتادوا، طوال النصف الثانى من القرن العشرين، وفى طول العالم العربى وعرضه، على نسف كل ما هو متألق ورائع ومفيد فى الحياة الإبداعية العربية.
وهم قوم تراوحوا بين من طالب عبدالسلام بأن يحكى عن أخناتون انطلاقًا من عروبة مزعومة لديه، ومن وصل بهم الأمر إلى محاولة اغتيال نجيب محفوظ، وقتل فرج فودة وحسين مروة، وكل من هو عظيم ومبدع حقيقى فى تاريخنا.
وطبعًا لن نورد هنا لائحة من الجرائم فى هذا المجال، لعل استشراءها هو ما أوصلنا إلى ما نصل إليه حتى فى ساعات العتمة التى نكتب فيها هذه السطور فى بيروت، فى زمن يتضافر فيه مجرما حرب، إسرائيلى من جهة وإيرانى من جهة ثانية، ليس لتدمير شعب بأسره، بل لتدمير كل حلم زار يومًا مخيلة شادى عبد السلام وحفنة من أمثاله من أنبياء الإبداع العربى الحقيقى.
«فرعونى، أنا؟».. كان شادى لا يفتأ يطرح على نفسه وعلى الآخرين ذلك السؤال البسيط والموجز والغاضب حتى، فى مواجهة حملات شرسة لا يفهم أصحابها معنى أن يكون أحد ما فرعونيًا، أو أى شىء آخر.
فبالنسبة إلى هؤلاء، كان الأمر عبارة عن معركة تُشن من سبيل تأبيد جمود فكرى لصالح ما هو سهل يُباع ويُشترى فى سوق العبيد والعبودية والاستعباد.
من هنا كانت معركتهم ليس ضد ما زعموه من «فرعونية» شادى عبدالسلام، وكذلك «متوسطية» طه حسين أو «ليبرالية» نجيب محفوظ أو «تعادلية» توفيق الحكيم أو «تقدمية» حسين مروة، بل ضد أى فكر يحاول إخراج المتلقين، ولو كانوا قلة، من أى تفكير حر وتغييرى وتقدمى، لإبقاء المجتمعات العربية فى ثنايا الرأى الواحد و«التشابه الجدير بالرمال»، كما قد يقول محمود درويش.
ومن هنا لم يفهموا، ولم يريدوا أن يفهموا، أن مبدعًا من طينة شادى عبدالسلام لم يكن همه إعادة مجتمعه إلى الفراعنة، بل تسخير هؤلاء، بكل ما لديهم وتركوه لنا من جمال وعبقرية هندسية وفكر إنسانى، ودين توحيدى حتى، لخدمة راهن لن يخوض ذلك كله للعودة إلى ماضٍ ما، بل لتعزيز حاضر يحتاج إلى الكثير الكثير، الذى يمكنه أن يجده ليس لدى الفراعنة وحدهم بالطبع، بل لدى مصر القبطية ومصر الإسلامية، وحتى لدى ما يمكن العثور عليه فى زحمة العهود التى توالت مملوكية وعثمانية، شرط أن تتسم بالجمال والقدرة على تفعيل هذا الجمال فى حاضر يفتقر إلى جمال غيبته العصور الحديثة والهزائم المتلاحقة.
ذلكم ما كان عليه مشروع شادى عبد السلام الأساسى: مشروع ينتمى إلى الحاضر مستفيدًا من أجمل ما فى الماضى، فى وجه قباحات وجرائم وضروب تخلف ملأت ذلك الماضى.
«البحث عن الجمال وعن كل ما هو خير لخدمة الحاضر»: كان وبقى، حتى النهاية، مشروع شادى عبدالسلام.
شادى الذى كان أذكى وأكثر إبداعًا بكثير مما هم عليه عتاة مهاجميه بل قاتليه والساخرين منه، والمدهوشين، فى نهاية الأمر، كيف أن الفئات الأكثر وعيًا بين محبى السينما العربية ونقادها الحقيقيين اختاروا فيلمه الوحيد «المومياء» باعتباره الأفضل فى سينما عربية شكّلت، طوال القرن العشرين، وقبل هجمة السينما المتخلفة ونقاد الفيسبوك والفكرانيات المتخلفة على كل أنواعها، وعيًا كبيرًا واكب نمو المجتمعات، قبل استشراء الإسلام السياسى و«الربيع العربى» المزيف، وتحول مجتمعاتنا إلى مذاهب وطوائف تعيش تبعيات لاحتلالات جديدة حلت محل تلك القديمة. ولسنا فى حاجة هنا إلى تسميات.
حسب المرء اليوم الالتفات حوله وقراءة أدبيات الفيسبوك التافهة ليفهم كيف أن شادى كان من المحتم عليه، هو وكل ذلك الرهط النبيل الواعى من مفكرينا ومبدعينا المصريين والعرب، أن يختفوا كى تنتصر التفاهة، ولا يبقى، من «أخناتون» كمشروع وحلم وفعل حضارى حقيقى على سبيل المثال، سوى ذكرى يحملها بعض آخر المخلصين لماضٍ لا ننكر أنه شهد أيضًا جرائم تتمثل، على سبيل المثال لا الحصر، فى بعض الخلفاء لا يتورعون عن ارتياد حتى المساجد متقلدين سيوفهم ليقطعوا رءوس كل صاحب فكر، سواء كان اعتزاليًا أو أى شىء آخر (وحسبنا على سبيل المثال أن نقرأ ثلاثية حول «نشأة الفكر فى الإسلام» لعلى سامى النشار لنعثر على جريمة من هذا العيار فى كل صفحة من صفحات الكتاب!).
لا ننكر هذا! لكننا نعرف أن الجمال، كما عبّر عنه شادى عبدالسلام وكل الباحثين الآخرين عن الجمال على مدى تاريخنا، كان فى ذلك الحين حاضرًا كنوع من ترياق، أخشى ما نحشاه أنه بات غائبًا اليوم.. حمله معهم المئات من رفاق شادى عبدالسلام حين رحلوا حزانى مهزومين.