x قد يعجبك أيضا

الحرب النفسية و«أصابع نتنياهو»

الخميس 19 مارس 2026 - 10:33 م

كان الملايين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي العرب يتبارون في تبادل مقاطع فيديو مفبركة وصور مدسوسة لادعاء أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد توفي أو أصبح "خارج الخدمة" عندما كان يترأس اجتماعا لحكومته ويكرر بعبارات واضحة أنه يرسم شرق أوسط جديدا.

المتنافسون على "الريتش" بالتشكيك في صور نتنياهو وهو يتناول القهوة وعدد أصابعه في المقاطع المخلّقة والممزّقة بالذكاء الاصطناعي، لم يتوقفوا طويلا عند ذلك التصريح الذي يعتبر امتدادا لحديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر ٢٠٢٤ قبل دقائق من اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، ولم يحاولوا التدبر في إصراره على استخدام التعبير ذاته على مدى ثلاثين عاما، وتحديدا منذ استخدمه لأول مرة في كتابه "مكان تحت الشمس" في مواجهة رؤية مغايرة كان يسوّق لها خصمه الأيديولوجي داخل الكيان الصهيوني شيمون بيريز، قائد حزب العمل الخاسر في انتخابات مايو ١٩٩٦ أمام نتنياهو، والتي كانت الانطلاقة لصعوده واستمراريته.

وفي ذروة نجاحه اليوم وهو يحرك -منفردا تقريبا- الآلة العسكرية العظمى للولايات المتحدة ويزج بشريكه دونالد ترامب في المأزق الإيراني لتحقيق أهداف استراتيجية صهيونية، أراد نتنياهو توجيه رسالة واضحة إلى معارضيه في الداخل، مفادها أن أي أفكار لقبول التعايش والازدهار السلمي وتقليل فاتورة التصعيد العسكري بعيدا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تعد مطروحة على الطاولة، فسخر من بيريز المتوفي قبل عشر سنوات، واصفا رؤيته بـ"النظارات الوردية".

تجبّر نتنياهو يغريه اليوم بأن سياسة الردع واليد الطولى تسمح لإسرائيل على المدى المتوسط باستباحة إيران كاملة واحتلال جنوب لبنان وتحويلها إلى جولان ثانية، والسيطرة على الضفة الغربية ولبنان وسوريا لإعدام أي مواطن محتملة للخطر، أما التكاليف فلتتحملها دول الخليج باعتبارها الهدف الأقرب والأيسر للانتقام الإيراني حتى نفاد القدرات الصاروخية، وليتكبد الاقتصاد الأمريكي مزيدا من الخسائر بلا حساب أو مراجعة، طالما يسير مسئولو البيت الأبيض نياما في ركاب تل أبيب.

يقتضي هذا المشهد أن نسلك كل سبل الدراسة والتحليل والعصف الذهني وبحث البدائل والإعداد السياسي ومراجعة التحالفات الدولية والاستثمارات في مجال التشبيك والحشد الخارجي، فضلا عن الاستعداد الاقتصادي والعسكري لسنوات عصيبة ربما تطول، وقد تؤدي الى حروب أوسع مما نشهده منذ ٢٨ فبراير الماضي. وأتحدث هنا بنون الجماعة قاصدا الشعب المصري والشعوب العربية الأخرى التي كُتب عليها أن تواجه خطرا مصيريا، لن يتلاشى أبدا بالتطبيع واتفاقات أبراهام أو المصالح المؤقتة.

أما قائمة المحظورات فينبغي أن تضم الغرق في الوهم والسفه، والاستسلام للحقائق البديلة والصور المخلّقة، والانخراط غير الواعي في نشر الأكاذيب.

لست من أنصار نظرية المؤامرة، وكنت أتخيل أن شائعات وفاة نتنياهو ووزير الأمن المتطرف المهووس إيتمار بنغفير قد نشأت فقط بتداعي الأمنيات من الحسابات العربية عبر منصتي "فيسبوك وإكس" لكن التتبع الدقيق يكشف انتشارها بالتوازي عبر حسابات أجنبية مجهولة الهوية، وتتنوع لغاتها بين الإنجليزية والصينية والروسية.

كثيرون على استعداد لادعاء أي تخاريف مقابل "الترافيك" ويراهنون على الذاكرة القصيرة لمستهلكي المحتوى الإعلامي. لكن الهجمة المتزامنة على الوعي العربي يصعب أن تكون صدفة! يفرح الملايين بمصرع عدوهم الأول ثم يستفيقون على تفاخره بتفوق ميداني جديد وتهديد بمزيد من الاغتيالات كما حدث في المقطع الاستعراضي لنتنياهو مع السفير الأمريكي الصهيوني مايك هاكابي، فتنهارَ رغبتهم في المتابعة اليقظة للأخطار الحقيقية وقدرتهم على التفكير السليم.

وعندما نشاهد المقطع الإجرامي الذي بثه بنغفير الأربعاء الماضي نافيا وفاته هو الآخر، نلمس مؤشرات أخرى للبروباجندا الصهيونية المرسومة بعناية، إذ ظهر أمام "طبلية مشنقة" كتبت أمامها نصوص دينية عبرية، بينما يقول هو بصلف: "بالفعل أنا سأموت اشتياقا لشنق الإرهابيين هنا" في إشارة لمشروع القانون الإرهابي الذي وافق عليه الكنيست في القراءة الأولى ليسمح بإعدام الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

وسواء يبدأ الصهاينة نشر الشائعات أو يجيدون "ركوب الترند" واستغلاله لصالحهم، فنحن نواجه حربا نفسية زهيدة الثمن سريعة التأثير، هدفها التجهيل الجماعي لشعوب "الشرق الأوسط الجديد" كما يحلم نتنياهو. لا يمكن مواجهتها إلا بالوعي، واستشعار النخبة لمسئولية الكلمة، حتى وإن كانت أقل جاذبية من الخطاب الشعبوي وتحليلات التمنّي.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة