x قد يعجبك أيضا

حرب الخطاب بين أمريكا وإيران

الخميس 19 مارس 2026 - 8:10 م

فى الوقت الذى يدور فيه الصراع بين الصواريخ والطائرات، يدور صراع آخر فى ميدان الخطاب. تشترك حروب الخطاب فى أهدافها الكبرى، لكنها تختلف فى التقنيات والأساليب التى تستعملها لتحقيق هذه الأهداف. والعدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران لا يشذ عن هذه القاعدة.
استعمل الطرفان الاستراتيجيات المعتادة فى حروب الخطاب، مثل التلاعب بإخفاء الآثار المدمرة للحرب، والتعظيم من خسائر العدو، وإظهار القدرة التامة على الاستمرار فى الحرب، والصمود فى مواجهة أسوأ السيناريوهات، والتأكيد على وفرة مخزون السلاح، والاحتفاظ بأسلحة غير معلومة. كما استعمل الطرفان الهجوم الشخصى على قيادات العدو، ومحاولة إحداث وقيعة بينها وبين شعوبها، علاوة على استراتيجيات أخرى معتادة، مثل ادعاءات أن الحرب مشروعة، وعادلة، وضرورية، ولا يمكن تجنبها، وتصوير الطرف الآخر على أنه المعتدى، حتى وإن لم يكن البادئ بالعدوان.
تبدو كل هذه الأساليب عادية، لا تستحق كتابة هذا المقال لأجلها. لكن غير العادى، وما يبرر كتابته، هو وجود فروق جذرية فى الأساليب التى يستعملها كل طرف لإصابة أهدافه من الدعاية الحربية وهجمات الخطاب التى يوجهها لخصومه، وبخاصة فى أعلى سلم القيادة العسكرية والسياسية فى الطرفين الأمريكى والإيرانى. أما نتنياهو، فعلى الرغم من أنه وقود الحرب وكبريتها، فإن خطابه السياسى أقل أهمية على المستوى العالمى؛ فهو مجرم حرب مطلوب دوليًا، وربما يكون أكثر شخصية سياسية مبغوضة ومنبوذة فى العالم فى وقتنا الراهن. وخطابه العمومى موجَّه بالأساس إلى الداخل الإسرائيلى، لذا يمزج فيه عادة بين الخزعبلات التوراتية، والأكاذيب الممنهجة، والعنصرية الفجة، والوهم البائس بالقوة؛ كى يُرضى النواة الصلبة من داعميه من اليهود المتشددين، الذين يمكِّنونه من الإفلات من جرائم الحرب خارجيًا، وجرائم الفساد داخليًا.
• • •
تبدو الفروق فى أسلوب حروب الخطاب الأمريكية- الإيرانية واضحة، وخاصة فى مستويات عليا مثل مستوى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيجسيث من ناحية، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومى على لاريجانى (قبل اغتياله)، ووزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى من ناحية أخرى.
دعاية ترامب فى الحرب على إيران استمرار لأدائه الخطابى المعتاد، ومن أهم ملامحه الغموض الناتج عن التصريحات المتضاربة التى يقول فيها الشىء ونقيضه فى وقت واحد، مثل تصريحه أن الحرب تُعد منتهية وأنها مستمرة، أو تصريحه بأنه لم تتبقَّ أهداف إيرانية يمكن ضربها، ثم قوله فى الآن نفسه إنه سيشن أكبر الضربات على إيران منذ بدء الحرب. يؤدى الغموض الناتج عن تضارب التصريحات المتزامنة إلى تشوش وإرباك فى فهم الواقع، وبالتالى عدم القدرة على اتخاذ قرارات قاطعة. ويضيف إلى هذا الإرباك أمر آخر أصبح معروفًا عن السيد ترامب، هو أنه يكذب بجرأة يحسده عليها حتى أكثر الكذابين صفاقة فى تاريخ السياسة الدولية. وربما لا يكون ترامب أكثر السياسيين تلبسًا بالكذب فى التاريخ المعاصر فحسب، بل أكثرهم صلافة فى ادعاء الصدق والحقيقة أيضًا. وتصريحاته عن أن الإيرانيين هم من قصفوا مدرسة ميناب فى إيران مثال ساطع على ذلك؛ فحتى أسوأ الكاذبين لم يكن ليجرؤ على إطلاق هذه الأكاذيب فى ظل وجود أدلة قاطعة على أن صاروخًا أمريكيًا هو الذى قصفها.
علاوة على التناقضات المقصودة، والأكاذيب الفجة، يتصف خطاب ترامب فى الحرب على إيران بسمة أخرى، هى العنصرية. وعادة لا يخفى ترامب عنصريته تجاه السود والملونين، لكن المسلمين يحظون عادة بالنصيب الأكبر من عنصريته، إلى حد أن يصفه عمدة لندن، صادق خان، قبل نحو خمسة أشهر، بأنه معادٍ للإسلام وعنصرى. وتتوجه العبارات العنصرية لترامب إلى قادة إيران، الذين وصفهم مؤخرًا بأنهم أوغاد مختلون، وإلى الأمة الإيرانية، التى وصفها بأنها أمة إرهاب وكراهية. والملاحظ أن ترامب، خلال عمليات الانتقام اللفظى هذه، يقوم عادة بإسقاط الصفات التى تُوجَّه إليه على خصومه؛ فهو يدرك أن أغلب شعوب العالم تراه وغدًا مختلًا، فينقل الصفة إلى أعدائه، وعلى النحو نفسه، فإن صورة أمريكا دوليًا فى زمن ترامب أنها تشيع الكراهية وتمارس الإرهاب على البلدان الضعيفة، فيقوم ترامب بإسقاط هذه الصفات على خصومه.
ولا يختلف خطاب هيجسيث، وزير الدفاع، عن خطاب رئيسه؛ فهما يصدران من منبع واحد، هو الفكر اليمينى الأمريكى الشعبوى المتطرف. فهيجسيث، مثل ترامب، يحتقر الأبعاد الإنسانية للحرب، ولا يعنيه ضحايا الحرب من المدنيين، بل لا يعنيه ضحايا الحرب من الجنود الأمريكيين أنفسهم. وتصريحاته بأنه "يمطر إيران بالموت والدمار من السماء طوال اليوم"، وأنه من الطبيعى أن يموت جنود أمريكيون، إذ إن "الحرب مع إيران لم تكن لتحدث دون خسائر فى الأرواح"، جعلت صحيفة الجارديان تصفه بأنه بلطجى متهور محب للحروب. علاوة على ذلك، فإن وزير الحرب الأمريكى يتخذ من عداوة الإسلام محورًا أساسيًا فى خطاب الحرب على إيران؛ فهو يقدم الحرب على أنها جولة من جولات الحروب الصليبية، التى يفخر برسم وشومها على جسده، ولا يكاد يترك فرصة للإساءة إلى الإسلام إلا واغتنمها. وتشكل كراهيته للإسلام ظاهرة أساسية تخيف بعض الأمريكيين أنفسهم، ممن يرون أنه "شخص خطير للغاية، إنه قومى مسيحى أبيض، ولديه ترسانة الحكومة الأمريكية تحت تصرفه، وإذن من الرئيس ترامب لنشر الدمار حيثما يريد وعلى من يريد".
يشترك ترامب وهيجسيث فى إنتاج خطابات لا تعبأ بالحقيقة، ولا بالإنسانية، وتتغذى على الكراهية والبذاءة والعنصرية. وهى خطابات مصاغة بلغة شديدة البساطة، تقدم صورة سطحية للعالم على طريقة أفلام الأبطال الخارقين، لكن خطاباتهم ترسم صورة بلطجية عنصريين متعطشين للدماء والبترول، ويتغذون على الكراهية.
• • •
على الجهة الأخرى، يميل القادة الإيرانيون إلى إنتاج خطاب يتسم بالتحدى، واستدعاء التاريخ الحضارى الممتد لإيران، والإفادة من المشاعر الدينية بإضفاء القداسة على الصمود والإصرار عليه، حتى لو كان ثمنه الموت. وإذا نظرنا إلى خطاب لاريجانى وعراقجى، سنجد ملمحًا مشتركًا، هو استعمال السخرية والتهكم بديلًا للبذاءة والعنصرية الشائعين فى خطاب ترامب وهيجسيث. فحين صرّح هيجسيث بأن "قادة إيران يختبئون تحت الأرض مثل الجرذان"، رد عليه لاريجانى بصور للقادة الإيرانيين فى قلب شوارع إيران، وكتب: «يا سيد هيجسيث! لقد كان قادتنا، ولا يزالون، بين الناس، لكن أين قادتكم؟ هل هم فى جزيرة إبستين!». هذا الأسلوب التهكمى لا يقدم تفنيدًا قاطعًا لادعاءات هيجسيث فحسب، بل يستدعى، بسخرية مرة، الحدث الأكثر تهديدًا لنظام ترامب، وهو علاقته بالمجرم المدان إبستين. وعلى الطريقة نفسها، علّق لاريجانى على تغريدة لترامب بأن الحرب انتهت تقريبًا، بقوله: «إشعال الحروب سهل، لكن إنهاءها لا يتم بتغريدات، وهى سخرية فاقعة من كلام ترامب، وإعلان تحدٍ فى الآن نفسه".
لكن القدر الأكبر من السخرية التهكمية كان من نصيب وزير الخارجية المحنك عباس عراقجى؛ فقد دأب، منذ بدء الحرب، على استعمال السخرية أداة للدعاية الحربية، لتحقيق أهداف مختلفة بحسب سياقات استعمالها. فحين أطلق ترامب تصريحه الشهير بأنه هو من سيختار المرشد الأعلى لإيران، رد عراقجى بقوله إن ترامب «لا يستطيع حتى تعيين عمدة نيويورك، ويريد أن يقرر من سيقود إيران». والعبارة الساخرة تستدعى فشل ترامب الذريع فى الحيلولة دون انتخاب زهران ممدانى عمدة لنيويورك، رغم استعماله كل أدوات الضغط المتاحة لديه، مدعومًا باللوبى الإسرائيلى الأمريكى فى نيويورك. وبالمثل، حين صرّح ترامب بأن إسرائيل لم تجبره على الاشتراك فى الحرب ضد إيران، وأن العكس هو الصحيح، علّق عراقجى: «الشعب الأمريكى يستحق أفضل من ذلك [يقصد ترامب]، وعليه أن يستعيد بلاده». وبعد أن دعا ترامب دول العالم إلى شراء البترول الروسى، فى محاولة لتجنب الضغط على أسعاره بسبب إغلاق مضيق هرمز، علّق عراقجى: «واشنطن قضت شهورًا تضغط وتتنمر على الهند لإجبارها على إنهاء واردات النفط من روسيا، قبل أن تتراجع الآن؛ بعد أسبوعين من الحرب مع إيران، أصبح البيت الأبيض يتوسل للعالم، بما فى ذلك الهند، لشراء النفط الروسى!».
عادة ما تكون حروب الطائرات والصواريخ مصاحبة لحروب التصريحات والخطابات. والدرس الاستراتيجى فى جميع الحروب أنه لا يوجد ضعف مطلق ولا قوة مطلقة، والمنتصر هو من يستمر صموده مهما كانت الآلام. لذا لا يقل دور الخطاب عن دور الطائرة والصاروخ؛ فهو الذى يدعم صمود المقاتلين مهما بلغت معاناتهم، ويهزم نفسية الخصم مهما بلغ جبروته، فالهزيمة لا تأتى من الخارج فى أغلب الأحوال.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة