جيل السبعينيات الآخر!

الأحد 3 مايو 2026 - 6:30 م

عند منتصف ثمانينيات القرن الماضى حمل ثلاثة شبان جماعة «الإخوان المسلمين» إلى السيطرة على أغلب النقابات المهنية الرئيسية فى مصر هم: الدكتور «عبدالمنعم أبو الفتوح»، الذى قادهم إلى أول انتصار فى نقابة الأطباء عام (1984)، والمهندس «أبو العلا ماضى» إلى سيطرة مماثلة على نقابة المهندسين عام (1985)، و«مختار نوح» الذى صعد ــ بمفرده ــ إلى مجلس نقابة المحامين (1985) قبل أن يتمكن عام (1992) من قيادتها إلى اكتساح كامل لمقاعد مجلس نقابة المحامين.

كان ذلك تطورًا جوهريًا فى الحياة السياسية والنقابية المصرية أثار فزع الحكم وتوجهه لاستصدار القانون المعيب رقم (100)، الذى فرض ما يشبه الوصاية على النقابات المهنية.

فى لقاء لوفد من النقابات المهنية مع رئيس مجلس الشعب الدكتور «فتحى سرور» قال موجها حديثه إلى «مختار نوح»، الذى رحل قبل أيام: «كان لازم تاخدوا مجلس نقابة المحامين كله»!

فى تراجيديا الحياة السياسية تراوحت مصائر القيادات الثلاثة بين الفصل من الجماعة والطلاق السياسى المؤقت، أو الدائم.

لم تكن تلك محض مصادفة بقدر ما كانت تعبيرًا خشنًا عن التفاعلات الداخلية بين حرس قديم ينتمى إلى تجربة «السيد قطب»، تنظيم (1965)، وجيل جديد تأثر بدرجة ما بتجربة الانتفاضات الطلابية فى حقبة السبعينيات، لكنه لم يكن جزءًا منها.

كانت التظاهرات الطلابية عام (١٩٧٢) بحجمها وأثرها إعلانًا مدويًا عن ميلاد جيل جديد ما يزال حاضرًا ومؤثرًا حتى الآن.

ارتبطت لحظة الميلاد مع نداء استعادة الأراضى المحتلة بقوة السلاح ورفض المماطلة فى اتخاذ قرار الحرب.

كان الرئيس «أنور السادات» قد تعهد بأن يكون عام (١٩٧١) هو «عام الحسم»، لكنه تراجع وأطلق عليه «عام الضباب»؛ حيث الرؤية احتجبت خلف ضباب الحرب الهندية ــ الباكستانية.

بعد يومين من «خطاب الضباب» ــ (١٥) يناير ــ تصاعدت الاحتجاجات والاعتصامات فى الجامعات المصرية وسرت روح عامة غاضبة.

ما كان ساكنا فى الحياة العامة أخذ يزمجر بالرفض لأية «حلول سلمية»، يؤجل باسمها قرار الحرب.

صدرت بيانات دعم وتأييد من النقابات المهنية الرئيسية «الصحفيين» و«المحامين» و«المعلمين» ثم «المهندسين»، ونقابات أخرى تتابعت دعوتها لـ«حرب تحرير شاملة».

وصف «السادات» محركى الانتفاضة الطلابية بـ«القلة المندسة»، التى تضلل «القاعدة السليمة»، وهو تعبير شاع على نطاق واسع فى الخطاب الرسمى، واعتمد لسنوات طويلة عند أية أحداث مماثلة حتى استهلك تماما.

لم يكن الرئيس الجديد مقنعا لقطاعات كبيرة من المواطنين بقدرته على ملء فراغ سلفه الراحل، وريح المعارضة تهب عليه من داخل نظامه وخارجه على السواء.

بدأ التفكير مبكرا، وهذا ثابت ومؤكد بشهادات واعترافات، فى استخدام الورقة الدينية لضرب التيارين الناصرى والماركسى، اللذين هيمنا على الحركات الطلابية.

جرت اتصالات لعودة أقطاب جماعة «الإخوان المسلمين» من الخارج والتصالح معها.

برز فى الحلقة المقربة «محمد عثمان إسماعيل» محافظ أسيوط الأسبق صاحب العبارة الشهيرة: «أعداء النظام ثلاثة، الشيوعيون والناصريون والأقباط».

شرع فى تأسيس «الجماعة الإسلامية» بالجامعات المصرية لمواجهة الطلاب اليساريين الذين يعارضون «السادات».

هكذا نشأ جيل السبعينيات الآخر.

أريد له أن يكون قبضة حديدية تفرق التظاهرات والاحتجاجات بالمدى والهروات والجنازير.

بعد وقت قصير انقلب السحر على الساحر واغتيل الرئيس نفسه من القوى التى عول عليها لضرب خصومه اليساريين.

ظاهرة جيل السبعينيات الآخر لم تأخذ حقها فى البحث والدرس بعيدا عن الأحكام المسبقة، التفاعلات والتحولات والانقلابات أحيانا على إرث الجماعة نفسها.

يوصف «عبدالمنعم أبوالفتوح» بأنه المؤسس الثانى للجماعة بإدخال أجيال جديدة إلى عضويتها، غير أنه فصل منها، وجرت مطاردته سياسيا وفى عمله ورزقه حتى أن الشيخين «يوسف القرضاوى» و«راشد الغنوشى» خاطبا قادتها بالتضامن معه: «كفاية كده».

عانى «مختار نوح» مصيرا مقاربا، لكنه رد بلغة أكثر حدة، مفارقا إرث الجماعة كله.

بدت تجربة «أبو العلا ماضى» أكثر تعبيرا عن أزمة الجماعة.

أنشأ حزب الوسط بطلب منها، لكنها تراجعت عن هذه الخطوة ودخلت فى صراعات مفتوحة معه.

بقوة حركة المجتمع اضطرت الجماعة أن تدخل على قاموسها السياسى مصطلحات تخالف ثقافتها المتوارثة مثل الديمقراطية والتداول السلمى للسلطة، غير أن الخطاب المستحدث لم ينجح فى تغيير صورتها واستقرت فى البيئة العامة شكوك تفاوتت حدتها فى جدية حديثها عن الاندماج فى قواعد اللعبة السياسية.

لم تحاول أن يستقيم اعترافها بالتعددية والديمقراطية مع ضرورات مراجعة تاريخها منذ نهايات عشرينيات القرن الماضى، أو أن تتخلى عن خطاب التبرير، أو التجهيل بحوادث لا سبيل إلى إنكارها كالتورط فى أعمال عنف واغتيالات سياسية.

ولم تحاول أن تؤسس لعلاقات مع القوى السياسية الحية فى البلاد بلا استعلاء، أو توهم احتكار الحقيقة والحكمة.

كانت مشكلة الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» أنه لم يحاول إصلاح بنية النظام من داخله وإرساء قواعد دولة مدنية حديثة، وكانت النتائج كارثية تماما.

عند سقوط نظامه لم تكن هناك أحزاب وقوى مدنية مهيئة لكسب الانتخابات، التى تلت ثورة «يناير».

فى لقاء ضمنى مع بعض قيادات «الإخوان» فى البرلمان قلت ما نصه ونشرته فى حينه: «عليكم أن تحزموا أمركم، فلا أحد يقبل فى مصر بحزب علنى للإخوان مع بقاء التنظيم السرى».

كان هناك داخل الجماعة صراعا مكتوما يخرج للعلن أحيانا بين تيار يقوده المرشد العام الراحل «مهدى عاكف» يدعو لحزب علنى مع بقاء التنظيم السرى، وتيار يقوده الدكتور «عبدالمنعم أبو الفتوح» عضو مكتب الإرشاد وأمين عام اتحاد الأطباء العرب فى ذلك الوقت يدعو ــ عند السماح بحزب علنى ــ لحل التنظيم السرى.

انتصر التيار الأول وأكد هيمنته على التنظيم السرى بعد أن أمسك «القطبيون» بمقاليده عند صعود «محمد بديع» لمنصب المرشد العام إثر استقالة «مهدى عاكف».

انكفأ التيار الثانى على نفسه، أو أنشأ أحزابا جديدة كـ«الوسط» و«مصر القوية»، دون أن يحدث قطيعة نهائية مع الجماعة الأم.

أحد أوجه أزمة «الإخوان» مع مجتمعهم أن الذين خاطبوا الرأى العام بلغة العصر ونجحوا فى اكتساب عطفه لم يكونوا هم صناع القرار داخلها ولا قوتها الضاربة.

لم تكن الصراعات شبه المكتومة داخل الجماعة بين المتشددين والإصلاحيين ادعاءات تروى لإحكام خديعة الرأى العام، أو مؤامرات محبوكة لإخفاء الحقيقة.

بموازين القوى ومواريث الأفكار حسمت الخيارات الأخيرة، التى أفضت إلى كل ما جرى بعد «يناير».

كان لغياب القواعد الدستورية الملزمة، بالإضافة إلى الإضعاف المنهجى للمجتمع السياسى المدنى، تأثيره الفادح على إطلاق أشباح العنف والصدام وتزكية أكثر الأفكار تشددا داخل الجماعة السرية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة