الفساد الصغير يقود للفساد الكبير

الأحد 3 مايو 2026 - 6:30 م

أحد الموظفين ويعمل فى شركة كبرى معروفة قدم طلبًا لشركته للحصول على سلفة مالية، المستندات التى قدمها الموظف كانت مزورة وغير صحيحة، ولا تطابق الواقع. الأوراق ظلت تأخذ مجراها. وبعدها حصل الموظف على السلفة الضخمة. وفى النهاية تم اكتشاف التزوير، وقررت الشركة إنهاء خدمة الموظف فورًا بسبب سلسلة المخالفات والجرائم التى ارتكبها وطالبته برد الأموال فورا.

أهالى وأقارب وأصدقاء الموظف بدأوا حملة من الاتصالات والتواصل مع كبار مسئولى الشركة من أجل إعادة الموظف مرة ثانية للعمل. الشركة رفضت لأن الجريمة تم تنفيذها مع سبق الإصرار، والموظف كان يعلم أنه مخطئ وأنه سيأخذ أموالا لا يستحقها.

الأهل والأقارب بدأوا حملة أخرى مع شخصيات يمكنها التواصل مع الشركة من أجل إعادة الموظف للعمل، وأسبابهم فى ذلك كثيرة ومنها أنها المرة الأولى التى يخطئ فيها، وأن لديه أسرة كبيرة سوف تتشرد فى حالة عدم عودته للعمل، وكلمات كثيرة من عينة ربنا مسامح، ويا بخت من قدر وعفى، وعشان خاطر العيال و... إلخ.

منطقهم يقول أيضا أن هذه أخطاء صغيرة سببها الفقر والحاجة وقلة الحيلة. وهم لا يدركون أيضا أن الأموال التى حصل عليها المتهم كان يفترض أن تذهب إلى شخص آخر مستحق وأكثر احتياجًا.

حرصت على سرد القصة بملخص وافٍ للتدليل على خطأ كبير يقع فيه معظمنا بحسن نية ومن دون أن نفكر فى العواقب.

هذه القصة يكررها كثير من الناس من دون إدراك أنهم يساعدون متهمين ومدانين بتهم متنوعة من التزوير والرشوة والاختلاس وإهدار أموال المجتمع وسرقتها.

ما يفعله هؤلاء أنهم يبررون للفاسد فساده ويحاولون أن يفلت من العقاب، بل ويحاولون أن يعود مرة أخرى إلى الفساد تحت مبررات واهية.

هؤلاء الذين يحاولون مساعدة الفاسد سوف تستمع إليهم دائما وهم يهاجمون الفساد الذى يرتكبه الآخرون.

هم يجلسون ليلا على الكنبة أو المندرة فى الريف، أو فى صالونات المدن والأندية والقاعات الاجتماعية، أو ينتقدون العديد من مظاهر الفساد المنتشرة فى المجتمع وخطورة استمرار هذه الظاهرة من دون مواجهة حاسمة.

أتذكر أن مسئولا فى إحدى المؤسسات حكى لى قصة معبرة جدا. هو قال لى إن بعض كبار المسئولين فى هذه المؤسسة كانوا من المتشددين جدا فى الحديث عن الفساد وخطورته، وأنه لا أمل فى أى شىء من دون القضاء على هذا الفساد المستشرى.

وذات يوم أخطأ أحد الموظفين فى هذه المؤسسة، فتم توقيع عقاب صارم عليه من مدير الشركة.

لكن المفاجأة أن كبار المسئولين المتشددين ضد الفساد جاءوا إلى المدير يرجونه ويطلبون منه أن يسامح هذا الموظف المخطئ، مقدمين نفس المبررات والحجج والأعذار المعروفة. يومها قال لهم هذا المدير: هل من المنطق أن تهاجموا الفساد والأخطاء إذا ارتكبه الآخرون وتلتمسون له الأعذار والحجج إذا ارتكبها أقارب أو معارف لكم؟!

طبعا أدرك تماما أن النفس الإنسانية، تكون ضعيفة فى كثير من الأحيان حينما يتعلق الأمر بأقارب وأصدقاء ومعارف لنا وقعوا فى أخطاء يعاقب عليها القانون.

لكن النقطة الجوهرية التى لا يدركها بعضنا أنه لو طبقنا نفس القاعدة التى تجعل كل واحد منا يدافع عن قريبه أو صديقه المخالف للقانون، فسوف يصبح الفساد هو الأساس. وبالتالى لا يحق لأى منا أن يهاجم الفساد البعيد، قبل أن يهاجم الفساد القريب.

والسيد المسيح عليه السلام له قول شهير فى أنجيل لوقا وهو «لماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك، وأما الخشبة التى فى عينيك فلا تفطن لها».

وهناك حديث نبوى شريف روته السيدة عائشة حينما حاول البعض أن يتشفع لدى الرسول عليه الصلاة والسلام فى حد من حدود الله حينما سرقت إحدى سيدات بنى قريش فقال فى ختام الحديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

قد يقول البعض، ولكن الأمثلة التى بدأت بها وذكرتها بسيطة وقليلة، ولم تتحدث عن السرقات التى يرتكبها الحيتان الكبار؟!

كل السرقات والجرائم مدانة والفساد كذلك خصوصا الفساد الكبير. لكن ما قصدته اليوم بالأساس هو أننا حينما نتساهل مع الفساد البسيط لأقاربنا ومعارفنا، فإننا عمليا نبرر ونسهل للفساد الكبير، وبالتالى علينا أن نكون مبدئيين قدر الإمكان، وننتقد ونهاجم الفساد بكل أنواعه.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة