فى تقدير الكثيرين أن مسألة إعادة ضبط الوقت بموجب القانون مع مطلع فصل الصيف بتقديم الساعة، ثم إعادتها إلى أصلها مع مطلع فصل الشتاء، هى مسألة تستلزم إعادة النظر فيها، باعتبار أن ذلك النظام له العديد من المآخذ والانتقادات التى تتجاوز الفوائد المتحققة منه، كما أنه فى الوقت الراهن فإن أقل من 30% فقط من دول العالم هى التى تطبق ذلك النظام، ومن بينها مصر ولبنان والمغرب من المنطقة العربية.
فى القارة الأوروبية بموقعها وخصائصها الجغرافية والتى تعتبر من القارات الباردة وهى الأحوج لتطبيق التوقيت الصيفى لكسب ساعات نهار أطول، وخاصة مع محدودية مصادر النفط والغاز بها، ورغم ذلك أشارت استطلاعات الرأى إلى رفض 84% من الأوروبيين لتطبيقه، كما صوتت دول الاتحاد الأوروبى على إنهاء العمل بالتوقيت الصيفى فى دولها بشكل غير إلزامى، وفى الولايات المتحدة لا تطبقه إلا أعداد قليلة من الولايات الأمريكية.
• • •
إذا كان الأمر كذلك، فيجدر بنا إذن بحث تلك المسألة بأسلوب علمى متوازن، ولاسيما أن وجهة نظر مؤيدى هذا النظام تدور حول دوره فى ترشيد استهلاك الطاقة، بينما وجهة النظر الأخرى تؤكد أن هناك العديد من الأساليب الأكثر فعالية لترشيد استهلاك الطاقة لكنها لا تطبق بما يحقق الغرض منها.
الأسباب متعددة لرفض تقديم الساعة حيث أشارت معظم الدراسات العلمية إلى أن هذا النظام يتسبب فى حدوث اضطرابات وتغيير فى المواعيد المعتادة للنوم والاستيقاظ والتوجه إلى العمل، بما يحدث أثرًا سلبيًا على الساعة البيولوجية للإنسان وحياته طوال اليوم بفعل اضطراب النوم وعدم التركيز والعصبية، بل وأشارت العديد من الدراسات إلى وجود ارتباط مؤكد بين تطبيق التوقيت الصيفى ومعدلات حوادث الطرق.
يضاف إلى ما سبق ما يؤكده معظم الأفراد من تأثرهم سلبيًا بذلك النظام بسبب تغيير مواعيد الصلاة ومواعيد تناول الوجبات ومواعيد الأنشطة اليومية المعتادة، والتى تتغير كل ستة شهور تقريبًا، الأمر الذى يتسبب لهم فى عدم الارتياح والضيق والاضطراب على المستوى النفسى والذهنى، ويؤثر سلبيًا على حياتهم اليومية.
وفى الأصل كانت إمكانية ترشيد الطاقة من خلال تطبيق نظام التوقيت الصيفى تستمد من الوفورات المتحققة من تقليل ساعات إضاءة المبانى والمنشآت، بالعمل وممارسة الحياة اليومية لأطول فترة ممكنة فى ضوء النهار، وتقليل استخدام الإضاءة فى فترة المساء ومن ثم ترشيد استهلاك الكهرباء، وترشيد مصادر توليد الطاقة من النفط والغاز.
الحجة السابقة يمكن أن تكون صحيحة وسليمة فى العقود السابقة، لكنها اليوم فقدت جزءًا كبيرًا من جوهرها مع التغيرات الكبيرة فى أنماط استهلاك الكهرباء، والتى باتت مرتبطة بالأنماط المعمارية الحديثة للمبانى التى تعتمد على الإضاءة والتهوية الصناعية المعتمدة على الكهرباء بصرف النظر عما إذا كان الوقت نهارًا أم ليلًا، ومن أمثلتها المبانى الحديثة للبنوك والشركات والمستشفيات ومنشآت الأعمال، والتى يبدأ موظفوها على الفور فى تشغيل الإضاءة وأجهزة التكييف بمجرد وصولهم بصرف النظر عن التوقيت إن كان صباحًا أو مساءً.
أيضًا ومع التغيرات المناخية التى يشهدها العالم، والتى باتت مصحوبة بارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة بفعل الاحتباس الحرارى، والتى يشهد العالم نماذج متطرفة منها مثل ظاهرة القبة الحرارية والموجات الحارة التى تسبب موجات حرارة خانقة، تلجأ كل من لديهم أجهزة تكييف ومراوح بالمنازل إلى تشغيلها طوال اليوم، والأمر كذلك فى منشآت الأعمال والمبانى الحديثة بصرف النظر عما إذا كان الوقت صباحًا أم مساءً.
• • •
من جهة أخرى يشير الأطباء إلى أن تغيير التوقيت يتسبب فى تعطيل انتظام الساعة البيولوجية للإنسان ويؤثر سلبيًا على دورة النوم والاستيقاظ، كما أن نسبة كبيرة من الناس لا تتأقلم بسهولة مع ذلك التغيير، وتحتاج إلى عدة أيام وأسابيع فى محاولتها للتأقلم مع التوقيتات الجديدة، مع تسبب ذلك التغيير فى الإرهاق والتوتر والضيق، وانخفاض الإنتاجية وحدوث أخطاء فى بعض الوظائف الحساسة نتيجة تراجع مستوى التركيز والانتباه بفعل اضطراب الساعة البيولوجية، وفى ذات الإطار تشير بعض الدراسات إلى ارتباطه بزيادة حوادث السيارات خاصة فى الأيام التالية لتغيير التوقيت.
نظام التوقيت الصيفى له أيضًا تداعيات سلبية يدركها جيدًا العاملون فى مجال شركات الطيران والمطارات مع اختلاف وتباين التوقيتات من دولة إلى أخرى بالنسبة للمسافرين والحجوزات ومواعيد إقلاع ووصول الطائرات، ومواعيد الرحلات الدولية بين المناطق الجغرافية مختلفة التوقيت، والتى تتسبب فى مشكلات عدة للمسافرين والسائحين بسبب التغيير فى المواعيد والتوقيتات.
الأمر كذلك يمكن الإشارة إليه عن سلبيات تطبيق هذا النظام على أعمال البورصات وأسواق الأوراق المالية الدولية، مع اختلاف توقيتات الافتتاح والإغلاق لتلك البورصات، واختلاف الوقت وعدم ثباته، والأمر ذاته يتضح جليًا فى أعمال البنوك من حيث توقيتات إرسال ووصول التحويلات والمعاملات المالية بين البنوك فى الدول المختلفة.
لا تقتصر تلك السلبيات على ما سبق، بل تمتد إلى مجال التطبيقات والبرمجيات الحاسوبية عندما يتم تغيير الوقت مرتين أثناء العام الواحد، الأمر الذى قد يتطلب إجراء تعديلات فى نظام عمل بعض الشبكات الإلكترونية للتوافق مع التوقيتات المتغيرة، وقد يتطلب عمليات معقدة لتثبيت التحديثات وإعادة تشغيل التطبيقات لينتظم توقيتها، وهى مسألة معقدة تتضمن درجة عالية من المخاطرة فى تعطل منظومات عمل هذه التطبيقات والبرمجيات.
• • •
مسألة الوقت وتحديده وتنظيمه هى مسألة مهمة ومؤثرة على حياتنا، لذلك يجدر التعامل معها بدرجة عالية من الوعى والانتباه، كما يجدر الانتباه إلى أن القوانين والقرارات هى مجرد وسائل يرتبط تطبيقها أو إلغاء العمل بها بالمنافع الحقيقية الناتجة عنها، وليس لمجرد تطبيقها فى حد ذاته، هذا ما تقضى به حكمة السياسة وأهداف الاقتصاد وضرورة توازن المعادلات.
أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات