هندسة الخوف فى زمن الطاعة!!
الأحد 3 مايو 2026 - 6:30 م
فى الساعة الثالثة صباحًا، أو ما قبلها أو بعدها، طنَّ جرس الهاتف بدقات متتابعة. بين النوم ومحاولة الصحيان، بحثت عن ذاك الجهاز الذى أصبح أكثر قربًا لنا من عقولنا رغم كثرة التحذيرات! تفاجأت بسلسلة من التغريدات/ الأخبار/ الرسائل التى انهمرت كالأمطار الأخيرة التى غسلت بعضًا مما حملته الرياح من غبار وأتربة على الخليج.
• • •
لكن الأخبار، على عكس المطر، لم تكن رحيمة. جاءت قاسية، بل أشد قسوة من الرياح نفسها. لم تكن تطوراتٍ عابرة فى أوطاننا، بل ملامح مرحلة قادمة، ضبابية ومقلقة، إذا ما قرأناها فى سياق تحولات التاريخ. أحداث متتالية يصعب على الفرد أحيانًا متابعتها بدقة ومعرفة تفاصيلها فى زمن الصوت الواحد، فيبدأ يومك بشىء من الخوف، لا ذاك الذى نقشه العبقرى ثروت أباظة فى نص حوَّله صبرى موسى وحسين كمال وشادية (فؤادة) ومحمود مرسى (عتريس) إلى عمل سينمائى رائع رسخ فى وجداننا جميعًا من مراكش للبحرين!!
• • •
إنه الخوف حتى بعد أن توقفت صفارات الإنذار وأصوات المضادات وغيرها من الأسلحة التى لن نعرف طبيعتها إلا ربما بعد حين، عندما يتكرم أحد المتقاعدين من البنتاجون أو أحد مراكز القوى الأخرى، بالكشف عنها. وهو أيضًا ليس فقط بسبب الحروب المتنقلة من بقعة لأخرى التى يوزعها الصهاينة وحلفاؤهم بالتساوى على أهلنا هنا وهناك، هو خوف من نوع آخر يجعل خياراتك محصورة فى الانغلاق على قلقك، ويبعث بكثير من الهواجس والمخاوف فتبرز إلى السطح. تتقلص خياراتك إلى التزام الصمت أو البوح مع تحمل التبعات من عقوبات.. هى العصا فقط، ولا جزر فى السلة إلا جزر أن تبقى وتكون أو ترحل!!
• • •
فى هذه الأوقات العصيبة والمحزنة، لم يعد الخوف حادثًا عابرًا، بل نظامًا قائمًا بذاته. لا يُفرض دائمًا بالقوة، بل يُدار بذكاء: عبر الاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، حتى يصبح جزءًا من إيقاع الحياة اليومية. فالسلطة اليوم، لا تحتاج إلى سجون مكتظة فقط، بل إلى وعى مروَّض. فتتحول السيطرة الحديثة إلى عملية داخلية، حيث يراقب المرء نفسه بنفسه. الخوف هنا لا يُرى، لكنه يُطاع، لا يُفرض، بل يتسلل تحت الجلد وبين الشرايين حتى يسكن باطن العقل أو ما تبقى منه!!
• • •
أما الحقيقة، فقد أصبحت أكثر هشاشة من أى وقت مضى. فى فضاءاتٍ مفتوحة بلا معايير، لا يعود الصوت الأعلى هو الأصدق، بل الأكثر انتشارًا. تنبَّه أمبرتو إيكو إلى هذا الانهيار حين أشار إلى أن المنصات منحت الجميع حق الكلام، لكنها لم تمنحهم القدرة على التمييز، بل أطلق عليه غزو البلهاء، وربما فى مرحلتنا الأصدق هو غزو المنافقين أو الأفاقين أو حملة الأختام!
• • •
السياسة فى هذا السياق لا تُمارَس فقط فى البرلمانات، بل فى الخوارزميات، فى تدفّق المعلومات، فى تحديد ما نراه وما لا نراه. حيث لا تُحجب الحقيقة دائمًا، بل تُغرق فى سيلٍ من النسخ المتضاربة حتى تفقد معناها. ألم يحذر عبد الرحمن الكواكبى منذ قرون بأن الاستبداد لا يكتفى بإخضاع الناس، بل يفسد إدراكهم، حتى يختلط عليهم الحق بالباطل؟
• • •
الخوف اليوم أكثر فتكًا من الأوبئة، لأنه لا يُقاس بعدد الضحايا، بل بمدى انتشاره فى العقول. أن تخاف من التعبير، أن تتردد فى السؤال، أن تقبل بما يُفرض عليك باعتباره «الواقع الوحيد الممكن» ــ هذه ليست أعراضًا فردية، بل بنية اجتماعية. ويبقى السؤال هو لا من يملك النفوذ، فهذه حقيقة تاريخية، بل «كيف يُدار هذا النفوذ؟» وكيف يقنعك بأنه يعمل لمصلحتك.. الأخطر ليس أن تُفرض عليك منظومة، بل أن يقنعك بعضهم، بل كثيرون منهم، بأنك اخترتها بإرادتك، وأنها الأفضل لك ولأبنائك وأحفادك من بعدك، بل هى الأفضل للوطن!!
كاتبة بحرينية
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا