فى محاولة لاستشراف طبيعة الحروب المقبلة، يُنسب إلى ألبرت أينشتاين قوله الشهير: «لا أعلم بأى أسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصى والحجارة». غير أن المفارقة الأعمق اليوم ليست فى نوع السلاح فقط؛ بل فى طبيعة ما يصنعه ويُغذيه ويضمن استمراره. فالحروب الحديثة لم تعد تُفهم فقط من خلال عدد الصواريخ والطائرات والمنصات العسكرية؛ بل من خلال ما يُغذيها فى العمق؛ أى المعادن التى تدخل فى أنظمة التوجيه والرصد والدفاع الجوى، وفى الشرائح والمغناطيسات والسبائك والمواد عالية الأداء.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مجرد أزمة عسكرية؛ بل لحظة تكشف بنية جديدة للقوة العالمية، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا الصناعية، وتتقاطع فيها الجاهزية القتالية مع سلاسل الإمداد المعدنية. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تدفع هذه الحرب الولايات المتحدة والصين إلى جولة أعمق من التنافس على المعادن الحرجة؟ الجواب الأقرب إلى الدقة هو نعم، ولكن ليس لأن الحرب تنقل مواقع المناجم أو تغيّر خرائط الإنتاج مباشرة؛ بل لأنها تُعيد تعريف قيمة هذه المعادن داخل معادلة الردع، وربما تكشف هشاشة الاعتماد الغربى على حلقات صناعية تهيمن الصين على أكثرها حساسية، خاصة التكرير وصناعة المغناطيسات.
• • •
تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية أن المعادن الحرجة لم تعد مجرد مدخلات للتصنيع أو التحول الطاقى؛ بل أصبحت جزءًا من البنية الصلبة للجاهزية العسكرية. فكلما ارتفعت كثافة الاعتماد على الدفاع الصاروخى، والطائرات غير المأهولة، والرادارات، والذخائر الدقيقة؛ ارتفع معها الوزن الاستراتيجى للمعادن الداخلة فى هذه الأنظمة؛ ومن ثم فإن الحرب لا تخلق أهمية المعادن من فراغ؛ لكنها تنقلها من هامش الحساب الصناعى إلى قلب الحساب الأمنى، وهو ما يتضح فى الآتى:
1- تقدم القيمة العسكرية على نظيرتها الصناعية: لم تعد المعادن الحرجة تُقاس فقط بقدرتها على خدمة الاقتصاد الأخضر المُستدام أو التصنيع المتقدم؛ بل بمدى ارتباطها المباشر بقدرة الدولة على القتال أو الاستمرار فيه. وتشير تحليلات حديثة إلى أن العناصر الأرضية النادرة والمعادن المرتبطة بها تدخل فى المقاتلات المتقدمة، والغواصات، والصواريخ الجوالة، والذخائر الذكية. وهذا يعنى أن أى حرب تستنزف وسائل الاعتراض والهجوم الدقيق، تدفع هذه المعادن إلى مرتبة أعلى فى سلم الأولويات الاستراتيجية.
2- استهلاك الدفاع الصاروخى أعمق مما يبدو على السطح: فى الحروب الحديثة، لا يقتصر الاستهلاك على الصاروخ نفسه؛ بل يمتد إلى كل ما يتطلبه إنتاجه وإعادة إنتاجه؛ من مواد عالية النقاء إلى مغناطيسات دقيقة، ومن معادن مقاومة للحرارة إلى مكونات إلكترونية حساسة؛ ولهذا فإن أى تصعيد عسكرى مطوّل فى الشرق الأوسط، مع الاعتماد المتزايد على أنظمة الاعتراض والدفاع الجوى؛ يضاعف الضغط على سلاسل المعادن الحرجة.
3- إعادة الحرب ملء المخازن وتفريغها فى الوقت نفسه: أحد أهم آثار الحرب أنها لا ترفع الطلب الفورى على الاستخدام الميدانى فقط؛ بل ترفع أيضًا الحاجة إلى إعادة تكوين المخزونات العسكرية.
• • •
إذا كانت القراءة التقليدية تركز على وجود الخام تحت الأرض؛ فإن الحرب تكشف أن الندرة الحقيقية تقع فى مكان آخر؛ أى فى القدرة على الفصل، والتكرير، والتصنيع، والتسليم ضمن سلسلة موثوقة. فالدولة التى تملك المنجم ولا تملك القدرة التحويلية؛ تبقى أضعف من أخرى تسيطر على الحلقات الأعلى قيمة. ولهذا فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لا تعزز فقط الحساسية تجاه المعادن الحرجة؛ بل تؤشر أيضا على مكمن التفوق الصينى الحقيقى، كالتالى:
1- بداية الاختناق بعد الاستخراج: تعكس المؤشرات أن الطلب على عناصر المغناطيسات الأرضية النادرة قد تضاعف منذ عام 2015، وأنه مرشح لمزيد من النمو. وتبدو المشكلة ليست فى توافر الخام وحده؛ بل فى محدودية القدرة على تحويله إلى أكاسيد ومعادن ومغناطيسات قابلة للاستخدام الصناعى والدفاعى.
2- هيمنة الصين على الحلقة الأكثر حساسية: وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، تسيطر الصين على نحو 91% من تكرير العناصر الأرضية النادرة المغناطيسية، وقرابة 94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة الملبدة فى عام 2024. وهذه الأرقام تعنى أن القوة الصينية لا تكمن فقط فى التعدين؛ بل فى السيطرة على ما بعد التعدين.
3- رفع إغلاق مضيق هرمز تكلفة المنظومة: لم تُصب حرب إيران مناجم العناصر الأرضية النادرة مباشرة؛ لكنها زادت هشاشة البيئة التى تعمل فيها الصناعة العالمية؛ أى الشحن، والتأمين، والطاقة، واليقين اللوجستى. وقد أظهرت تطورات إغلاق مضيق هرمز فى الأسابيع الماضية أن الأثر الأولى للحرب يتعلق بمضاعفة المخاطر على النقل والطاقة، أكثر من إنتاج الخام نفسه.
• • •
لا يقتصر أثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على زيادة الطلب أو رفع القلق؛ بل يمتد إلى إعادة تشكيل السوق نفسها. فالعالم يتجه تدريجيًا نحو نظام معدنى جديد، تتداخل فيه السياسة الصناعية مع التحالفات الأمنية، وتُعاد فيه صياغة معنى السوق والتمويل والتسعير والتخزين. ومن هذه الزاوية، تعزز حرب إيران التنافس الأمريكى الصينى؛ لأنها تدفع كل طرف إلى ترسيخ موقعه داخل بنية عالمية آخذة فى الانقسام، كالتالى:
1- اتجاه السوق نحو انقسام وظيفي: تتزايد المؤشرات على تشكّل سوقين بدلًا من سوق واحدة: سوق تجارية تبحث عن أقل تكلفة، وأخرى استراتيجية تركز على المورد الحليف، والمنشأ الموثوق، وقابلية التتبع، والاعتماد الدفاعى. ومع تصاعد التوترات، تصبح المعادن المستخدمة فى الصناعات الحساسة أقرب إلى أن تكون أصولًا سيادية منها إلى سلع اعتيادية، بما يعمّق الفصل بين التجارة التقليدية والتوريد المرتبط بالأمن القومى.
2- تقدم التحالفات المعدنية: فى شهر إبريل الماضى، رفعت أستراليا والولايات المتحدة دعمهما المشترك لمشروعات المعادن الحرجة إلى أكثر من خمسة مليارات دولار أسترالى، مع تمويل مشروعات للتكرير والعناصر الأرضية النادرة والجاليوم والتنجستن والجرافيت وغيرها. ولا تقتصر دلالة هذه الخطوة على بعدها المالى؛ بل تحمل بُعدًا استراتيجيًا واضحًا؛ إذ تدفع الحرب إلى جعل بناء البدائل أولوية أمنية، وتُحوّل الشراكات المعدنية إلى جزء من البنية الدفاعية الأوسع بين الحلفاء.
3- تحرك أوروبا من منطق الشراء إلى التنظيم: أطلقت المفوضية الأوروبية، فى إبريل الماضى، منصة لتجميع الطلب على المواد الخام الحرجة وربط المشترين بالموردين والجهات الممولة ومقدمى التخزين. وهذا التطور يعنى أن أوروبا لم تعد تكتفى بدعوات التنويع؛ بل بدأت تبنى آلية مؤسسية لإدارة الطلب وتقليل الاعتماد الأحادى. ومع استمرار الحرب؛ تزداد جاذبية هذا النمط من التنظيم الجماعى للسوق.
4-فتح الحرب منافسة أطول من عمر المعركة نفسها: حتى لو تراجع التصعيد العسكرى، فإن الأثر البنيوى سيبقى؛ فهناك مزيد من التخزين، ومزيد من العقود طويلة الأجل، ومزيد من القلق من الهيمنة الصينية على المعادن المستخدمة فى الصناعات الدفاعية. وهذا يعنى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية قد لا تغير خريطة المعادن على المدى القريب؛ لكنها تُسرّع تشكّل صراع أطول أمدًا بين واشنطن وبكين على من يمتلك منظومة معدنية قادرة على الصمود تحت الضغط.
• • •
لا تكمن الأهمية الاستراتيجية للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية فى أنها أوقفت إمدادات المعادن الحرجة مباشرة؛ بل فى أنها كشفت معنى جديدًا للسيطرة عليها. ففى عالم ما بعد 2026، لم يعد امتلاك الخام وحده معيارًا كافيًا للقوة، كما لم يعد انخفاض السعر وحده معيارًا كافيًا للأمان؛ لكن القوة الحقيقية باتت تُقاس بامتلاك المنظومة؛ أى منجمًا وتكريرًا وتصنيعًا وتسعيرًا وتخزينًا وتحالفًا وقدرة على التسليم فى زمن الاضطراب.
ومن هنا، يُمكن القول إن هذه الحرب تعزز بالفعل التنافس الأمريكى الصينى على المعادن الحرجة؛ لأنها ترفع قيمة هذه المنظومة داخل بنية الردع الحديثة، وتكشف فى الوقت نفسه أن الصين ما تزال متقدمة فى حلقاتها الأشد حساسية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص هذا الاعتماد قبل أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. وهكذا، لا يصبح السؤال من يملك المعدن فقط؛ بل من يستطيع تحويله إلى جاهزية، والجاهزية إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على الصمود عندما تختبر الحرب حدود الاقتصاد العالمى.
رشا مصطفى عوض
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/5n939vdk