رؤية موضوعية وعاقلة للاقتصاد المصرى

الأحد 10 مايو 2026 - 6:55 م

تابعت باهتمام كلمات ومداخلات العديد من أعضاء مجلس النواب خلال مناقشة الحساب الختامى للموازنة العامة للدولة للسنة المالية ٢٠٢٤-٢٠٢٥، والتى أقرها المجلس فى جلسته يوم الثلاثاء الماضى.

بالأمس كتبت فى هذا المكان عن أهم الأرقام والبيانات التى جاءت فى الجلستين تحت عنوان «الحساب الختامی.. بين النمو وكابوس الديون»، واليوم أركز على بعض الكلمات التى أرى أنها كانت مهمة وتشكل إضافة ورؤية عاقلة لهذا الموضوع شديد الأهمية.

من بين أبرز هذه الإضافات جاءت كلمة الدكتور عاصم الجزار الوكيل الأول لرئيس مجلس النواب ورئيس حزب الجبهة الوطنية، لأنه وضع يده على جوهر المشكلة، ليس فقط الحساب الختامى أو حتى مجمل الموازنة ولكن حقيقة الاقتصاد المصرى وتحدياته المختلفة.

 الجزار قال إن الموازنة دخلها محلى بالجنيه لكن التزاماتها تراكمية ودولية أى مقومة هنا بالدولار وبقية العملات الأجنبية.

هى موازنة تحافظ على الاستقرار، لكنها لا تخلق طفرة، وتبقى الاقتصاد واقفا، لكن لا تجعله ينطلق، هى ليست موجهة للنمو، بل لإدارة التوازن.

وبعد هذا التوصيف الدقيق يسأل الجزار قائلا: هل الاقتصاد الحقيقى، أى الإنتاج والتصدير والتصنيع، ينمو أسرع من الدين أم لا؟!.

 لو الإجابة هى نعم فإن الوضع يصبح مستقرا، ولو الإجابة هى لا فإن الموازنة تظل تحت الضغط الدائم.

ولكى ينمو الاقتصاد الحقيقى بصورة حقيقية، فإن مشكلته الأساسية ليست نقص الفرص، بل تكلفة الدخول والتى تتمثل فى العديد من النقاط المهمة، ومنها عدم اليقين التنظيمى، والبيروقراطية أى تكلفة الوقت، وصعوبة الخروج من السوق، وتكلفة التمويل، أى الوصول للائتمان وسعر الفائدة، وأخيرا تكلفة سعر العملة.

فى كلمة الجزار والذى كان وزيرا أسبق للإسكان يرى أن الملمح الرئيسى للاقتصاد المصرى يدور بشكل قوى داخل الاستهلاك، وضعيف فى الإنتاج وخاصة طويل الأجل، وبالتالى فإن الصورة الكاملة فى اللحظة الراهنة تتمثل فى أن الموازنة تعانى من الدين، أما الضرائب فقاعدة ضعيفة والاستثمار انتقائى والإيجار القديم يمثل تشوها اجتماعيا وسعر الفائدة أداة توازن قسرية، وبالتالى فإن الاقتصاد بأكمله يعمل داخل حلقة توازن مضغوط، لأنه يعانى من اختلالين هيكليين، ليست الحكومة مسئولة عنهما بمفردها: الخلل الأول إنتاج ضعيف مقارنة بالاستهلاك، أى سوق محلية كبيرة لكن الإنتاج المحلى أقل من المطلوب، وثانيا: رأس المال يتوجه للاستثمار الآمن وليس المنتج، أى إلى العقار بدل الصناعة، وأدوات الدين بدلا من التصدير، والاستهلاك بدلا من الابتكار، والاقتصاد الريعى بدلا من الحضرى.

بعد هذا العرض الشامل يسأل الجزار: ما هو التحول الحقيقى المطلوب أن نعمل عليه جميعا، لإعادة الإصلاح والتصحيح وتشكيل هيكل الحوافز؟

هو يجيب بالقول: أولا: تحويل الربح من المضاربة إلى الإنتاج، أى التحول من الربح السهل فى العقار أو أدوات الدين والاستهلاك، إلى الربح الأعلى المتمثل فى التصدير والتصنيع والخدمات الإنتاجية.

ثانيا: تقليل تكلفة الفشل، أى أنه فى حالة عدم نجاح التجربة الاستثمارية للمستثمر، فهل يمكن أن يخرج بسهولة؟ ثالثا: إعادة ضبط الفائدة على المدى المتوسط. رابعا: بناء قاعدة إنتاج تصديرية. وخامسا: توسيع القاعدة الضريبية لتشمل الاقتصاد غير الرسمى. وسادسا: تقليل الضوضاء التنظيمية بمعنى وجود قواعد ثاتبة وقرارات متوقعة.

ويوجز الجزار رؤيته تحت عنوان: «الصورة النهائية»، ويجملها فى بعض القواعد الأساسية بمعنى أن رأس المال يعنى الإنتاج، وأن التصدير يأتى بالعملة الصعبة، والأخيرة تعنى الاستقرار، الذى يؤدى إلى فائدة أقل، والأخيرة تعنى الاستثمار الأعلى. وختاما فإن ذلك يقود إلى دائرة إيجابية بدلًا من دائرة الضغط.

فى ظنى الشخصى أن هذه الرؤية تشكل توافقا بين غالبية الاقتصاديين، لأنها تنطلق أساسا من محاولة الإصلاح وليس النقد والهدم.

الجزار كان واضحا فى أن المشكلة ليست فى الحكومة وحدها، بل فى أوضاع تراكمت عبر سنوات، وتحتاج لجهد الجميع، هو لم ينكر الفوائد والمزايا والإيجابيات التى تحققت، لكنه يريد الانطلاق للأمام.

وأظن أن هذه الرؤية ربما تكون أفضل إجابة على من يسأل: ماذا يعنى أن يقول حزب سياسى أنه ليس مؤيدا أو معارضا؟!.

 الإجابة كما يقول الحزب دائما: إنه سيقول للحكومة نعم إذا أحسنت، ولا إذا أخفقت بالنظر الى مجمل الأوضاع والتحديات التى تواجه ليس فقط مصر ولكن المنطقة بأكملها.

هذا الحزب يريد كما يقول رئيسه وكبار قادته أن يكون دائما جزءًا من الحل وليس جزءًا من المشكلة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة