x قد يعجبك أيضا

قانون القوّة وقوّة القانون

الأحد 10 مايو 2026 - 6:55 م

بمناسبة ذكرى استسلام النازيّة، يمكن أن نستذكر أنّ أسس إنشاء منظّمة الأمم المتحدة عام 1942 كانت قد وُضعت عبر «إعلان» فى خضمّ الحرب العالمية الثانية، وبعد انخراط الولايات المتحدة فيها جرّاء القصف اليابانى لميناء بيرل هاربور. حينها، وبناء على اقتراح الرئيس الأمريكى روزفلت، تم استخدام تعبير «إعلان الأمم المتحدة» للمرّة الأولى. وكان الهدف هو التحالف لكسب الحرب ضدّ دول المحور، التى اجتاحت أنحاء كثيرة من العالم وسيطرت عليها. لقد حدّد «الإعلان» ميثاقا أخلاقيّا تبنّته الدول الأربع الموقّعة (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، الاتحاد السوفيتى، وجمهورية الصين)، ودولٌ أخرى انضمّت إليها تباعا، وكانت مصر والعراق وسوريا ولبنان وحدها من بين الدول العربيّة المستقلّة حينها. تضمّن هذا الميثاق مبادئ لما بعد الحرب تُقِرّ بحقّ الشعوب فى تقرير مصيرها، وفى اختيار شكل الحكومة التى ترغب بها، والتخلّى عن استخدام القوّة فى العلاقات بين الدول.

كان التوقيع على «الإعلان» شرطا للمشاركة فى مؤتمر سان فرنسيسكو لتأسيس المنظّمة، والذى بدأ فى 25 إبريل 1945، أى قبيل استسلام ألمانيا النازية. وانضمّت المملكة العربية السعودية إلى الدول العربيّة المشاركة فى المؤتمر بعد إعلانها الحرب على دول المحور وتوقيعها على «الإعلان»، بعيد اللقاء بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت فى 14 فبراير من العام نفسه. هكذا تمّ توقيع خمسين دولة على «ميثاق الأمم المتحدة» فى 26 يوليو 1945، كدستورٍ يركز على سيادة الدول والعلاقات بينها والسلم والأمن الدوليين. إلا أنّ الوثيقة الأخلاقيّة والحقوقيّة الأساسيّة، أى «الإعلان العالمى لحقوق الإنسان»، الذى يركز على حقوق الفرد وحريّاته، لم يأتِ إقراره إلا فى 10 ديسمبر 1948. لقد جرى هذا كلّه بسبب ما عرفته الحرب العالميّة الثانية من أهوال ودمار وقتل للشعوب، وللرعب العالمى الذى سبّبه قصف هيروشيما وناجازاكى بالقنابل الذريّة.

 

 • •

 

اللافت اليوم أنّ الولايات المتحدة، التى كانت هى التى بادرت إلى إنشاء منظّمة الأمم المتحدة، هى أيضا بالضبط من تقوّض أسسها. وبالطبع، تَغيَّر الواقع العالمى بعد مرور سبعين سنة، خاصّة أنّ الاستقرار النسبى للسلم العالمى قد فقد آليّاته. إذ لطالما قام هذا الاستقرار على توازنٍ بين قطبين، لم يبقَ منهما سوى قطبٌ واحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتى. إنّ من ينافس هذا القطب اليوم اقتصاديّا وتقنيّا، وليس بعد عسكريّا، هو الصين الشعبيّة.

وفى حين أطلق تأسيس الأمم المتحدة موجة تحرّرٍ لبلدان كثيرة من قوى الاستعمار المباشر القديم، برزت اليوم قوى جديدة وأشكالٌ حديثة من الاستعمار تقوّض أسس السلم العالمى. لم تقبل القوى الكبرى الاستعماريّة القديمة بسهولة مبادئ «الإعلان». ففرنسا ارتكبت مجزرة فى مدينة سطيف فى الجزائر يوم استسلام ألمانيا، وقصفت المجلس النيابى السورى بعد ذلك بأسبوعين. وبريطانيا قمعت ثورة الفيتناميين ضدّ اليابانيين لتسليم بلادهم لفرنسا. هذا بالرغم من كلّ الدمار والمآسى التى حلّت بفرنسا وبريطانيا خلال الحرب الثانية. إلاّ أنّ القطبين الكبيرين المنتصرين قوّضا آليّة الاستعمار القديم، كما حصل عندما وقف الاثنان ضدّ العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، ليحلّ مكانه تنافسهما... وأحيانا عبر الحرب.

إنّ منظومة الأمم المتحدة لم تمنع قيام حروبٍ كبرى. حروبٌ انخرطت فيها الأمم المتحدة ذاتها، كحرب كوريا، وحرب الخليج 1990-1991، وحرب يوغوسلافيا السابقة 1990-2001، ولكنّها كلها حروبٌ جرت فى ظلّ غياب توازن القطبين. وحروبٌ فشلت الأمم المتحدة فى درئها، كحرب فيتنام 1955-1975، والحروب العربيّة الإسرائيليّة، والحرب العراقية-الإيرانية 1980-1988. وحروبٌ أخرى قوّضت شرعيّة الأمم المتحدة، كغزو العراق عام 2003، وحروب السودان واليمن وليبيا وسوريا، ومؤخّرا الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك الحرب الأمريكيّة-الإسرائيليّة على إيران ولبنان.

إلاّ أنّ دخول الأمم المتحدة مرحلة «عجزٍ سريرى» أضحى أكثر وضوحا اليوم فيما يخصّ الحفاظ على السلم الدولى. فقد تحوّل مجلس الأمن إلى «حلبة صراع» بين القوى التى حصلت فى الماضى على حقّ النقض. وضربت كثيرٌ من الدول عرض الحائط بقرارات مجلس الأمن، أى تلك التى اتُّخذت بالتوافق. وحلّ «قانون القوّة» مكان «قوّة القانون». فها هى الولايات المتحدة تفرض عقوباتها الأحاديّة على مسئولين فى الأمم المتحدة وعلى محكمة العدل الدوليّة، بل وتوقِف مساهماتها الماليّة المهمة لها، حتّى للمهمّات الإنسانيّة. وها هى الأمم المتحدة عاجزة أمام ما وصفته مؤسساتها بأنّه «إبادة جماعيّة» فى غزّة.

إلاّ أنّ دور الأمم المتحدة ما زال أساسيّا فى درء آثار الحروب والكوارث الطبيعيّة والفقر على الأمن الغذائى والصحّة والتعليم وقضايا المناخ وغيرها. هذا بالرغم من أنّها تُنتقد حتّى من الشعوب والدول الضعيفة التى تحتاج إلى مساعداتها، لأنّها فشلت فى حماية المدنيين (فى رواندا وغيرها)، وكثيرا ما تعتمد ازدواجيّة فى معايير حقوق الإنسان، حيث تكون صمّاء بحسب هويّة الضحايا والمعتدين، وأنّها باتت ضعيفة أمام حجم التحدّيات.

 

* • •

 

فى الماضى، وبالتوازى مع إنشاء الأمم المتحدة، قامت محاولات لتشكيل تكتّلات وأقطاب تساعد على ترسيخ التعاون بين الدول بغية ترسيخ السلام العالمى، أى ما سُمّى لاحقا بتعدّد الأقطاب. بعضها نجح، كالاتحاد الأوروبى، وبعضها أصبح هيكلا فضفاضا كالجامعة العربيّة ومجلس التعاون الخليجى والاتحاد الإفريقى. وبعضها بقى على مستوى تكتّلٍ اقتصادى قلّما يكون له دور سياسى، كمجموعة البريكس ومنظّمة شنغهاى للتعاون، أو حتّى مجموعتَى ج7 وج20. وبعضها فشل وتلاشى، كمنظمة عدم الانحياز.

إلاّ أنّ هذه التكتّلات، وتعدّد الأقطاب، لا يشكّلان بالضرورة أساسا للسلم العالمى. فمن ناحية، تغيّرت كليّا أشكال الحروب، لتصبح حروب سيطرة تقنيّة، وحروبا بالوكالة عبر تنظيمات ما دون الدولة، وحروبا نفسيّة عبر وسائل التواصل الاجتماعى المشغّلة بالذكاء الاصطناعى، وتفكيكا لمؤسسات الدول ذاتها. ومن ناحية أخرى، برزت اليوم قوى متوسّطة تتنافس فيما بينها على النفوذ للهيمنة على الدول الهشّة أو الضعيفة، حتّى حين تنتمى هذه القوى المتوسّطة إلى التكتّل ذاته. هكذا يبرز التنافس واضحا ضمن دول الاتحاد الأوروبى ومجلس التعاون الخليجى وغيرهما.

ومع صعود قوى سياسيّة تقوم على مشاعر العداء للآخر إلى الحكم فى معظم الدول، يبدو واضحا أنّ الأمن العالمى قد أفلت من عقاله، دون أيّة آليّة لضبط الصراعات التى تتفجّر يوما بعد يوم. ويبدو المشهد شبيها بما جرى حين عجزت «عصبة الأمم» عن درء الحرب العالميّة الثانية، لتأتى «منظّمة الأمم المتحدة» وتحلّ محلّها رسميّا فى 20 إبريل 1946. فها هى الولايات المتحدة تهمّش الأمم المتحدة، وتستبدل حقوق الشعوب بوعود الاستثمار، والتعدديّة بالصفقات الثنائيّة. آليّات جديدة لا تشكّل أرضيّة للسلام بل للحروب والهيمنة، وتخلق شعورا مريرا بأنّه لا رادع لمن تعرّض لمآسى ومجازر الحرب العالمية الثانية من أن يخلق بدوره المآسى ويرتكب مجازر كبرى اليوم.

 

 • •

 

فى هذا المناخ، تقع الدول الأكثر هشاشة فى معضلة وجوديّة، بين مقاومة الهيمنة فى وجه قوى لا حدّ لقوّتها، وبين العمل على دبلوماسيّة متعدّدة الانحيازات تكسب لها وقتا دون ضمانة، وبين الخضوع للهيمنة الأمريكيّة كليّا، وهنا أيضا دون ضمانة ألّا تطيح مطامع دولٍ أكثر انخراطا منها مع الولايات المتحدة، كإسرائيل، حتّى بما سعت إلى حمايته بالخضوع. معضلةٌ تعيشها حتّى قوى متوسّطة فى تحالفات إقليميّة راسخة.

والسؤال اليوم هو عن مدى المآسى، وعن حجم التضحيات التى سيعيشها البشر كى يأتى تأسيسٌ جديد لمنظومة سلمٍ عالمى آخر، وإصلاحٌ جوهرى «للأمم المتحدة»، وكى تخرج الشعوب من جديد من منطق العدائيّة للآخر، وكى تخرج السياسة المحليّة والدوليّة من هيمنة المال وتقانات التلاعب بالمفاهيم الأخلاقيّة.

 

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

 

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة