x قد يعجبك أيضا

«كرامات» الطعزى و«طيبات» العوضى

الأحد 10 مايو 2026 - 6:55 م

لم يكن مدرس الفلسفة مستطاع الطعزى مؤمنا بالخرافة أو الدجل الذى احترفه لاحقا، لكنه أدرك أن الناس لا تبحث دائما عن العلاج الحقيقى لمشكلاتها، بقدر ما تبحث عن «خلاص سريع» يبدد قلقها، حتى لو كان ذلك الخلاص مجرد وهم.

قبل 36 عاما، قدم المخرج على عبد الخالق رائعة الكاتب محمود أبو زيد «البيضة والحجر»، وهو أحد أهم الأفلام التى رصدت علاقة المجتمع بالخرافة والدجل.

الفنان الكبير الراحل أحمد زكى جسد دور مدرس الفلسفة البسيط، الذى لا يكفى راتبه لتأمين أبسط احتياجاته، لكنه ظل مؤمنا برسالته فى تعليم تلاميذه مبادئ الخير والجمال والحق والعدالة والكرامة، قبل أن تتهمه المنظومة بأنه «صاحب مبدأ» ويعمل على نشر «أفكار هدامة».

بشر مستطاع بنظرية «التكيف الاجتماعى»، وواجه الغلاء بالاستغناء، فاصطدم بمنظومة لا ترى فى التمسك بالمبادئ فضيلة، بل جريمة تستوجب العقاب؛ وبعد وقفه عن العمل، اضطر لاستئجار غرفة فوق سطح عمارة، تصادف أنها كانت سكنا لدجال محترف، ومن هنا انعطف مسار حياته.

نجاة مستطاع من الغرفة «المسكونة» وفق اعتقاد جيرانه، كانت بداية صناعة الأسطورة؛ وفجأة تحول مدرس الفلسفة إلى رجل «مخاوى»، قادر على تسخير الجن وفك الأعمال وحل الأزمات، وبحكم دراسته للفلسفة وفهمه للنفس البشرية، أدرك سريعا مفاتيح اللعبة: «خوف الناس من المستقبل بيسبب لهم قلق.. والقلق بيخلق الاستعداد لتقبل الإيحاء، وفى ظل الإيحاء الناس بتصدق أى حاجة».

لم يكن يتحدث هنا عن الدجل فقط، بل عن آلية عمل المجتمعات المأزومة، حين يتحول الخوف إلى بيئة مثالية لازدهار الوهم، ويصبح الإنسان مستعدا لتصديق أى شخص يعده بالخلاص مهما بدا كلامه بعيدا عن المنطق.

لخص فلسفته تلك لاحقا فى جملة أكثر عمقا «الخوف بيعطل التفكير وبيشل القدرة على التصرف.. مفيش فرق بين غنى وفقير، ومتعلم وجاهل».

لهذا لم يكن ضحايا مستطاع من البسطاء وحدهم، بل من مختلف الطبقات، حتى إن وكيل النيابة الذى باشر التحقيق معه اعترف له بأنه لا يغادر منزله قبل قراءة «حظك اليوم» الذى يكتبه فى الصحف، وحين حاول إقناع الجميع بأنه مجرد دجال، كان المجتمع قد حسم أمره وقرر أنه «صاحب كرامات».. هنا أيقن أن «الناس هى اللى بتخلق الدجال وبتصنعه بإرادتها».

بعد أكثر من ثلاثة عقود على إنتاج الفيلم، تبدو الأزمة التى رصدها محمود أبو زيد أكثر حضورا وتعقيدا، فالدجال لم يعد بحاجة إلى غرفة مظلمة ينثر فيها البخور والتعاويذ، بل صار قادرا على الوصول إلى ملايين البشر عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام الباحثة عن «الترند».

فى السنوات الأخيرة، انتشر نموذج مستطاع فى مجالات عديدة، من بينها المجال الطبى، حيث برز الطبيب الراحل ضياء العوضى بوصفه واحدا من أبرز من قدموا وصفات خلاص سريعة للمرضى الباحثين عن علاج سهل.

امتلك الرجل قدرا كافيا من التعليم والخبرة مكنه من مخاطبة الناس بلغة تبدو علمية ومقنعة، خلط فيها بين الطب والدين والوصفات الشعبية، مقدما حلولا «يقينية» لأمراض مزمنة ومعقدة؛ ومع تصاعد المشاهدات والمتابعين، اتسعت دائرة الطرح، حتى بدا وكأنه يملك علاجا لكل شىء، من نزلات البرد إلى الأمراض الخطيرة.

لم يكن انتشار العوضى قائما فقط على نظام «الطيبات»، بل على طريقته فى تقديم نفسه وأفكاره؛ وطرحه لخطاب بسيط ومثير بأداء تمثيلى متقن، موجه لجمهور أنهكه القلق والخوف والمرض.

وهنا تحديدا يلتقى «صاحب الكرامات» مع «صاحب الطيبات»؛ كلاهما فهم جيدا ما الذى يبحث عنه الناس؛ يقين سريع، وإجابة سهلة، وخلاص لا يحتاج إلى صبر أو تعقيد.

وكما استخدم مستطاع الفلسفة والإيحاء لصناعة هالته، استخدم العوضى ورفاقه مصطلحات الطب ومنصات الإعلام لصناعة هالات مشابهة؛ وفى الحالتين لعب المجتمع الدور الأكبر فى صناعة الظاهرة وتضخيمها، بينما ساهمت المنصات الراغبة فى ركوب «الترند»، فى تحويل هؤلاء إلى «قادة ثوريين يواجهون مافيا صناعة الدواء».

الأزمة إذن ليست فى دجال أو صاحب وصفة سحرية، بل فى بيئة كاملة تنتج هذا النوع من الظواهر، ثم تمنحه شرعية جماهيرية وإعلامية، لأنها ببساطة تلبى احتياجا عميقا لدى الناس «الحاجة إلى اليقين والخلاص السريع».

رغم التطور الهائل فى وسائل المعرفة خلال العقود التى أعقبت إنتاج البيضة والحجر، ظلت المأساة قائمة؛ فالناس لا تزال متشككة فى العلم والمنطق والمؤسسات، اختارت بإرادتها العيش داخل الوهم، تبحث عن خلاص سهل، وتصنع أصنامها بيديها ثم تخضع لها طواعية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة