يقال أهل مكة أدرى بشعابها، وبالتالى فأبناء نقابة المهندسين هم أيضا أدرى بنقابتهم، وما يدور فى دهاليزها، هذا ما يمكن الخروج به من نتائج جولة الإعادة فى الانتخابات التى جرت الجمعة الماضية على مقعد النقيب، وأسفرت عن فوز الدكتور محمد عبد الغنى على منافسه المهندس هانى ضاحى وزير النقل الأسبق.
قبل خوض معركة الإعادة ربما كانت توقعات غير الملمين بشعاب نقابة المهندسين، كأهلها، تشير إلى فوز المهندس ضاحى الذى حصل فى الجولة الأولى للانتخابات على 8178 صوتا، مقابل 4724 صوتا لعبد الغنى من مجموع 22288 صوتا صحيحا، توزعت بقيتها على 17 مرشحا آخرين.
للأمانة فإن عددا من المهندسين المطلعين على تفاصيل ما يدور حذروا من المضى قدما وراء نبرة أن فوز ضاحى أمر مفروغ منه، قياسا على الجولة الأولى من الانتخابات، وقالوا «احذروا مكر الجمعية العمومية» التى تقلب الموازين، غير عابئة بمؤشرات تبدو فى الظاهر لصالح هذا المرشح أو ذاك.
وبين الجمعة 6 مارس تاريخ الجولة الأولى والجمعة 13 مارس حيث جرت جولة الإعادة، يبدو أن مياها كثيرة جرت فى النهر وكانت وراء فوز عبد الغنى بأكثر من عشرة آلاف صوت مقابل ستة آلاف صوت ونيف لمنافسه، فى تبادل لعدد الأصوات التى حصل عليها كل منهما تقريبا فى الجولة الأولى، ما دفع المراقبين إلى البحث عن الأسباب التى أدت إلى تلك النتيجة.
قبل يوم انتخابات الإعادة، بدا أن الأخطاء تتكرر، فكما فعلت المؤسسات دورتين متتاليتين فى انتخابات نقابة الصحفيين بإظهار انحيازها لمرشحين بعينهما، وكانت النتيجة هزيمة لكليهما، ها هى تعيد الكرة فى نقابة المهندسين. فعشية الاقتراع ظهرت رموز حكومية بارزة وأخرى حزبية، وهى تقف إلى جوار المهندس هانى ضاحى فى رسالة استقبلت بشكل سلبى وسط عدد كبير من المهندسين.
كما اشتكى عبد الغنى وأنصاره من عمليات حشد وتعبئة، واستخدام وسائل نقل جماعية لمؤازرة وزير النقل الأسبق، فى تصرف استفز بدوره عددًا لا بأس من أصحاب الأصوات المتأرجحة وكثير من شباب المهندسين الذين صوتوا عقابيا لصالح عبد الغنى ردا على ما اعتبروه محاولة غير مقبولة للتأثير على إرادتهم الحرة فى الاختيار.
وغير بعيد، جرت الانتخابات فى ظل توترات إقليمية انعكست سلبا على المواطنين وبينهم المهندسين فى شكل رفع كبير لأسعار الوقود ما يزيد من الأعباء المعيشية، فليس كل المهندسين من أصحاب الدخول المرتفعة، بل إن غالبيتهم يأكلون مما يأكل السواد الأعظم من متوسطى الدخل وبسطاء الناس.
فى المقابل كان للتأييد الوقور من النقيب المنتهية ولايته، ورئيس اتحاد المهندسين العرب الحالى، المهندس طارق النبراوى، وظهوره إلى جوار عبد الغنى دورٌ فى ارتفاع أسهم الأخير، فقد حضر النبراوى مبكرا ووقف مؤيدا لمن يمكن أن يطلق عليه «خليفته» على مقعد النقيب.
أضف إلى ذلك أن عبد الغنى نفسه يتمتع بقدرات شخصية متميزة أهلته لفوز، وإن اعتبره البعض مفاجئا، فقد عرفته جموع المهندسين عضوا فى المجلس الأعلى لنقابتهم، ورئيسا للشعبة المدنية، جنبا إلى جنب عضويته لمجلس النواب فى دورة 2015- 2020، فضلا عن نشاطه المبكر فى العمل العام، ورئاسته لاتحاد طلاب كلية الهندسة جامعة حلوان التى تخرج فيها عام 1993.
اللافت فى انتخابات المهندسين، على عكس الصحفيين مثلا، تدنى نسبة المشاركة فنقابة تضم جمعيتها العمومية نحو مليون مهندس لم يحضر منهم للتصويت سوى 23 ألفا فى الجولة الأولى وأكثر قليلا من 17 ألف صوت فى الإعادة، وهو عزوف له أسباب عديدة يطول شرحها، طبقا لرأى المهندس هانى طارق النبراوى خلال نقاش دار بيننا تعليقا على فوز عبد الغنى.
بقى أن المهندس ضاحى، عبر عقب إعلان النتائج عن تقديره لجميع المهندسين الذين شاركوا فى الانتخابات، سواء كانوا «مؤيدين أو معارضين»، مؤكدا أن الجميع شركاء فى هذا الكيان النقابى العريق، وهو تقريبا الموقف نفسه الذى عبر عنه عبد الغنى الذى قال إنه «سيكون نقيبا لكل المهندسين»، داعيا إلى توحيد الصفوف «خلف المهنة وأهدافها العادلة».
وفى ظل تحديات جمة على الصعيد الوطنى، نتمنى لجموع المهندسين بنقيبهم الجديد، التوفيق فى المرحلة المقبلة، كون نقابتهم العريقة بيت الخبرة الهندسية الأول فى مصر.