بين صرامة النص وتحديات التطبيق، يُعيد البرلمان فتح ملف القانون رقم 73 لسنة 2021 للنقاش من جديد، فبعد نحو ست سنوات من إقرار عقوبة فصل الموظف بعد إجراء تحليل يثبت تعاطيه مواد مخدرة، بدأت ملامح مراجعة تشريعية تلوح فى الأفق، استجابة لحالة الجدل والغضب المتصاعد جراء إنهاء خدمة مئات الموظفين وتأثير ذلك على استقرار الأسر، وعيوب التطبيق الذى قد يكون أدى لوقوع ظلم مباشر على عدد كبير من المفصولين.
قصور التطبيق
مع بداية الفصل التشريعى الثالث لمجلس النواب، أعاد عدد كبير من أعضاء المجلس فتح ملف فصل العاملين بالجهاز الإدارى للدولة على خلفية نتائج تحليل المخدرات؛ جاء الحراك البرلمانى مدفوعًا بتصاعد الأصوات المنادية بمراجعة القانون رقم 73 لسنة 2021، بعدما طالت مقصلة الفصل آلاف الموظفين. وفى مقابل هذه التحركات، لا تزال البيانات الرسمية غائبة بشأن الإحصاء الإجمالى للمفصولين، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الأعداد بلغت الآلاف؛ وهو ما فرض ضرورة ملحة لدى النواب لتقييم الأثر التشريعى للقانون ومراجعة آليات تطبيقه.
وفى سياق المراجعة الحقوقية، تبرز رؤية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التى شددت على ضرورة تبنى فلسفة العقوبات الإدارية المتناسبة والمتدرجة، فبدلاً من الفصل الفورى كخيار وحيد، تدعو المبادرة إلى إعمال معايير التناسب المتعارف عليها فى القانون التأديبى، بحيث يكون للمجلس الطبى المختص دور فى تحديد مسار المتعاطى سواء بإحالته للعلاج، أو توقيع جزاء إدارى متدرج، أو الفصل كحل أخير؛ مع التأكيد على أهمية اتباع سياسات تشجيعية تحث الموظفين على طلب المشورة الطبية والعلاج طواعية دون خوف من فقدان الوظيفة.
يبدو أن المراجعة أصبحت ضرورة، فخلف الأرقام الصماء لبيانات الفصل وتطبيق نصوص القانون الجامدة، تتوارى مأساة إنسانية تتجاوز حدود الموظف لتعصف بكيان الأسرة بأكمله، ففقدان عائل الأسرة لوظيفته فجأة لم يكن مجرد إجراء إدارى عابر، لكنه قطع شريان الدخل الأساسى، ليدفع بمئات الأسر إلى دوامات الفقر والديون الخانقة.
وبالنظر لعمق هذه الأزمة، نجد أن الضرر لم يتوقف عند حدود العوز والاحتياج المادى فحسب، بل امتد لينخر فى السلم النفسى والاجتماعى للأسرة بأكملها؛ فلم يعد الموظف وحده هو من يدفع الثمن، وتحولت العقوبة من جزاء فردى إلى ما يشبه العقوبة الجماعية التى تضع الزوجة والأبناء تحت مقصلة الوصم الاجتماعى وفقدان الأمان.
تدخلات برلمانية
تعامل عدد من النواب مع تقييم الأثر التشريعى للقانون، وتقدمت النائبة نشوى الشريف، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، بطلب إحاطة موجه إلى الحكومة بشأن «أوجه القصور الجسيمة» فى تطبيق أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021، فى شأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها ولائحته التنفيذية، وما ترتب عليه من آثار إنسانية واجتماعية بالغة الخطورة على آلاف الموظفين وأسرهم.
وأوضحت أنها تلقت شكاوى متعددة من موظفين متضررين، أوضحوا أن آلية تطبيق القانون أدت إلى إنهاء خدمتهم دون مراعاة ظروفهم الصحية أو تاريخهم الوظيفى، وعدم تعاطيهم المخدرات موضحين أن نتائج التحاليل جاءت إيجابية بسبب أدوية موصوفة طبيًا لعلاج أمراض مزمنة أو مؤقتة.
وكشفت النائبة تجاهل حالات العلاج المثبتة بتقارير طبية معتمدة، فضلًا عن خلل فى تطبيق القانون من خلال الاعتماد على النتائج الأولية للفحص دون إجراء تحقيق إدارى متكامل أو تحليل تأكيدى، وعدم مراعاة الظروف القهرية أو الصحية للموظفين، وإغفال إخطار الموظف بحقه فى التظلم أو إعادة التحليل خلال أول 24 ساعة، بما يضيع عليه حقا قانونيًا أساسيًا.
ولم تكتف الشريف بطلب الإحاطة بل قدمت مشروع تعديل للقانون يتضمن مد فترة التظلم من نتيجة التحليل، لعدم كفايتها خاصة مع تزامنها مع عطلات رسمية، كما تتضمن التعديل مادة انتقالية لتشكيل لجنة تفحص شكاوى المتظلمين من قرارات الفصل السابقة.
لم تكن الشريف النائبة الوحيدة التى تحركت فى الملف، إذ تقدم النائب محمد الصالحى بمشروع تعديل ينص على عدم جواز إنهاء خدمة العامل إلا بعد ثبوت إيجابية العينة فى التحليل التأكيدى الذى تجريه جهة معتمدة من وزارة الصحة والسكان، مع التأكد من تعاطى المادة المخدرة دون سند طبى مشروع، ويمنح الموظف الحق فى طلب تحليل تأكيدى خلال 48 ساعة، مع عدم الاعتداد بنتيجة التحليل الأولى منفردة كأساس لإنهاء الخدمة.
ويستحدث المشروع مادة تمنع إنهاء خدمة العامل الذى يتقدم طواعية بطلب العلاج قبل إجراء التحليل أو فور إخطاره بنتيجة إيجابية أولية، على أن يتم وقف الإجراءات لحين انتهاء برنامج العلاج وثبوت التعافى، كما يتم إنشاء لجنة للتظلمات فى كل محافظة برئاسة قاضٍ يندبه رئيس المحكمة الابتدائية المختصة، وعضوية ممثلين عن وزارة الصحة والسكان والجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، على أن تفصل اللجنة فى التظلمات خلال 15 يومًا، مع وقف تنفيذ قرار إنهاء الخدمة لحين البت فيه.
من عباءة الحكومة إلى البرلمان
خلال مراحل إعداد قانون رقم 73 لسنة 2021، كان وزير القوى العاملة وقتها، محمد سعفان، وتبنت الحكومة خطابًا مدافعًا عن القانون، ودوره فى حماية بيئة العمل والمرافق الحيوية من مخاطر تعاطى المخدرات، بعيدًا عن العقاب الفورى.
اليوم، يخلع سعفان عباءة الحكومة ليرتدى ثوب الدفاع عن حقوق العمال تحت قبة البرلمان، فمن مقعده كوزير سابق كان شاهدًا على ولادة القانون، إلى رئاسته الحالية للجنة القوى العاملة فى مجلس النواب، يفتح الوزير السابق ملف القانون لتقييم أثره المجتمعى، فهل ينجح فى قيادة دفة التعديل التشريعى الذى يعيد التوازن بين انضباط الجهاز الإدارى وحماية الأمان الوظيفى للمئات؟
يبقى الاختبار الحقيقى أمام البرلمان ولجنة القوى العاملة لاستعادة التوازن بين الانضباط الوظيفى ومكافحة تعاطى المخدرات، وتدرج العقوبات وعدم التعسف فى تطبيقها، وغلق باب العقوبات الجماعية التى لا يدفع ثمنها الموظف وحده، بل يدفعها مجتمع بأكمله.
كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى