المخرج العربى
الإثنين 16 مارس 2026 - 6:00 م
وسط هذه الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل، أصحاب المشاريع المتباينة، والتى تعكس مطامعها فى الدول العربية، تواجه هذه الدول اليوم أزمة مركبة فى غياب مشروع عربى، الأمر الذى يتطلب تحويل الوعى بالمشكلة إلى فعل إصلاحى حقيقى فالمأزق لا يكمن فى نقص البرامج أو الشعارات الإصلاحية، بل فى المنطق الذى حكم إدارة الدولة لعقود طويلة: منطق إدارة الخوف بدل إدارة المستقبل. هذا النهج قد نجح فى تأجيل الانفجار، لكنه فشل فى بناء دولة قادرة على الاستمرار بثقة واستقرار حقيقى التحول يبدأ داخليًا بإعادة تعريف الاستقرار، فالاستقرار الذى يقوم على كبت التوترات وتجميد السياسة مؤقت بطبيعته، لأنه يحول الطاقة الاجتماعية والسياسية إلى تهديد بدلًا من فرصة. الدولة القادرة هى التى ترى فى الحركة الاجتماعية والسياسية طاقة قابلة للتنظيم، وليس خطرًا يجب سحقه.
وهذا يتطلب إعادة بناء قواعد الحكم بحيث تصبح المساءلة وتداول القرار أدوات طبيعية، لا مصادر خوف. غياب هذه القواعد يجعل أى تغيير يبدو مخيفًا وغير محسوب، ويضع الدولة والمجتمع فى دائرة من الجمود وعدم الفاعلية.
لا يمكن تصور التخطيط لمشروع عربى لعشرين أو ثلاثين عامًا مقبلة إذا كانت الدولة تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم تهديدًا مستمرًا. الشراكة السياسية مع المجتمع ليست تنازلًا بل استثمارًا فى الاستقرار ذاته. المجتمع الذى يشعر بأنه شريك فى القرار أقل عرضة للفوضى وأكثر استعدادًا لتحمل كلفة الإصلاح، فى حين أن المجتمع المهمش يتراكم غضبه صامتًا إلى أن يتحول إلى أزمة حقيقية.
الاستثمار فى الإنسان يعد ضرورة استراتيجية. التعليم النوعى، البحث العلمى، وتمكين الكفاءات ليست ملفات ثانوية تؤجل لما بعد «الاستقرار»، بل هى جوهر الاستقرار ذاته. الدولة التى لا تنتج معرفة ولا تثق بعقولها محكومة بالبقاء فى موقع التابع والمستهلك، مع تكلفة مدمرة على المدى الطويل. هذا الاعتراف يشكل حجر الزاوية للمخرج الداخلى للدول العربية، فالخوف قد يضبط الحاضر، لكنه يعجز عن صناعة المستقبل. من دون هذا الاعتراف، ستظل كل محاولات الإصلاح شكلية، وكل مشاريع التحديث ناقصة، وكل حديث عن الاستقرار مجرد هدنة مؤقتة مع أزمات مؤجلة.
إذا كان المخرج الداخلى يبدأ بإصلاح منطق الحكم، فإن المخرج الخارجى يبدأ بإعادة تموضع الدولة العربية فى الإقليم والنظام الدولى الدول العربية لم تُستنزف فقط بسبب ضعفها الداخلى، بل أيضًا بسبب إدارتها الفردية لمخاطر تتجاوز قدرتها المنفردة. إدارة المستقبل تتطلب كسر وهم الاكتفاء الذاتى القطرى وبناء تحالفات عقلانية ومرنة. لا يعنى هذا العودة إلى شعارات الوحدة الشاملة، بل الانتقال إلى عقلية التنسيق العقلانى: الدولة العربية التى تتحرك وحدها أكثر عرضة للابتزاز، بينما الحركة ضمن أطر إقليمية مرنة توسع هامشها التفاوضى وتحمى استقلال قرارها. الاستقلال الحقيقى ليس شعارات، بل تراكمات محسوبة: تنويع الخيارات الاقتصادية والأمنية، بناء قدرات تدريجية، وتقليل الارتهان لمصدر واحد للحماية أو الدعم.
كما يجب استعادة السياسة كفن للاختيار، لا مجرد إدارة للأزمات. الدولة التى تعيش فى وضع طوارئ دائم تفقد القدرة على التفكير الاستراتيجى إدارة المستقبل تتطلب مؤسسات تفكر خارج منطق اللحظة، تطرح أسئلة غير مريحة، وتبنى سيناريوهات بديلة. غياب النخب المستقلة والتفكير النقدى يضعف قدرة الدولة على الابتكار والتخطيط بعيد المدى. العالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة الدولة العربية التقليدية على التكيّف. التحولات التكنولوجية، تغير طبيعة العمل، الضغوط البيئية والديموغرافية، كلها تحديات لا يمكن إدارتها بالأدوات القديمة. كل تأجيل يزيد فجوة المستقبل ويجعل التغيير، عند وقوعه، أكثر قسوة وأقل قابلية للسيطرة.
المخرج الحقيقى إذن هو قرار سياسى وأخلاقى فى آن واحد: الانتقال من منطق البقاء إلى منطق البناء، ومن سياسة الخوف إلى سياسة الأمل المحسوب. الدولة التى تختار المستقبل تفعل ذلك ليس لأنها تملك كل الإجابات، بل لأنها تدرك أن الاستمرار فى الهروب من الأسئلة هو الطريق الأسرع إلى الانهيار. السؤال الأهم هنا ليس هل سيحدث التغيير؟ بل من سيديره، كيف ومتى؟، وإما أن يُدار بأيدى العرب وعقولهم، أو يُفرض عليهم مرة أخرى بثمن أعلى وخيارات أقل.
إدارة الخوف إلى إدارة المستقبل تتطلب رؤية شاملة للدولة القادرة، تقوم على إشراك المجتمع فى القرار السياسى باعتباره استثمارًا فى الاستقرار، وتوسيع نطاق التفكير ليشمل الاقتصاد والتعليم والتنمية، والاهتمام بالإنسان بوصفه أساسًا للتنمية والاستقرار المستدام. وفى المخرج الخارجى، يجب على الدول العربية إعادة تموضع نفسها ضمن أطر إقليمية مرنة لتعزيز هامش القرار وحماية استقلالها، مع الحفاظ على خصوصيتها السياسية. الدولة القادرة هى التى تجمع بين إدارة الداخل بحكمة واستثمار قدراتها البشرية، وتحركها الذكى فى البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة، لتضمن الاستقرار والتنمية المستدامة على المدى الطويل. المخرج الحقيقى هو قرار بالانتقال من سياسة البقاء إلى سياسة البناء، ومن إدارة الخوف إلى بناء الدولة القادرة التى تدرك أن المستقبل لا يُصنع بالهروب، بل بالإرادة، التخطيط، والشراكة الواعية بين الدولة والمجتمع، مع الاستفادة من التحالفات الإقليمية لتعزيز الاستقلالية والتأثير العربى فى الإقليم والعالم.
كاتبة ومحللة سياسية
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا