توازنات الاقتصاد وترشيد السياسات

الإثنين 16 مارس 2026 - 6:30 م

يُقدَّم الاقتصاد أحيانًا بوصفه علمًا للأرقام أو للأسواق أو للنمو، غير أن جوهره أعمق من ذلك بكثير؛ فهو فى حقيقته علم التوازنات. فكل ظاهرة اقتصادية تقريبًا هى نتيجة محاولة مستمرة لإيجاد نقطة توازن بين قوى متعارضة: بين العرض والطلب، بين الادخار والاستثمار، بين الاستهلاك والإنتاج، بين الإيرادات العامة والإنفاق الحكومى، بل وحتى بين الطموحات السياسية والقدرات الاقتصادية.


أذكر أننى حللتُ مرة ضيفًا على الإعلامى الأستاذ إبراهيم عيسى فى إحدى القنوات الفضائية، فاستحضرت مشهدًا يعرفه معظم المصريين من مسرحية «المتزوجون»؛ حين أطلق الراحل سمير غانم، من دون قصد تنظيرى، وصفًا بالغ الدقة لما قد تؤول إليه توازنات الاقتصاد حين قال: «جيت أظبط البنطلون.. الجاكيتة ضربت!». وهى عبارة ساخرة تختزل مأزقًا اقتصاديًا حقيقيًا؛ إذ كثيرًا ما تكون التوازنات الاقتصادية شديدة الحساسية، بحيث إن محاولة تصحيح اختلالٍ فى موضع قد تُفضى إلى اختلالات أخرى فى مواضع مختلفة.


فالاقتصاد، فى كثير من الأحيان، يشبه منظومة من المعادلات المتشابكة؛ أى تعديل فى أحد أطرافها ينعكس بالضرورة على بقية الأطراف. خذ مثلًا قرار رفع أسعار الفائدة بهدف احتواء التضخم: فبينما قد يسهم هذا القرار فى كبح جماح الطلب الكلى، فإنه فى المقابل يرفع تكلفة التمويل على الشركات ويثبط الاستثمار، وهو ما قد ينعكس سلبًا على حجم الإنتاج والمعروض السلعى، وربما يقود ــ فى نهاية المطاف ــ إلى موجة تضخمية جديدة تغذيها صدمة فى جانب العرض.


وهكذا، حين يختل التوازن فى موضعٍ ما، نادرًا ما يظل الاختلال محصورًا فى نطاقه الضيق؛ بل ينتقل أثره سريعًا إلى مواضع أخرى فى الاقتصاد. فارتفاع سعر سلعة أساسية، أو زيادة الضرائب، أو خفض الدعم، أو حتى تغيير سعر الفائدة، كلها قرارات تبدو فى ظاهرها محدودة النطاق، لكنها فى الحقيقة تتحرك داخل شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية المتداخلة التى تجعل الاقتصاد علمًا دقيقًا للتوازنات.


ولعل هذا الإدراك المبكر لتعقيد الاقتصاد هو الذى دفع الاقتصاديين منذ القرن التاسع عشر إلى البحث عن أدوات نظرية تسمح بفهم الاقتصاد بوصفه منظومة مترابطة لا مجرد أسواق منفصلة. ومن هنا نشأت فكرة التوازن العام التى ارتبطت بأعمال الاقتصادى الفرنسى «ليون فالراس»، والذى حاول لأول مرة وصف الاقتصاد كشبكة من الأسواق المتزامنة التى تتحدد أسعارها وكمياتها فى وقت واحد من خلال تفاعل العرض والطلب فى جميع الأسواق معًا.


• • •
كان التحليل الاقتصادى قبل ذلك يميل إلى ما يعرف اليوم بالتوازن الجزئى، أى دراسة سوق واحدة بمعزل عن بقية الاقتصاد. وهو تحليل مفيد فى بعض الحالات، لكنه قد يقود إلى استنتاجات مضللة إذا استُخدم لتقييم السياسات الاقتصادية الكبرى. فالاقتصاد الحقيقى لا يعمل كسلسلة من الجزر المنفصلة، بل كشبكة مترابطة من الأنشطة والأسواق.


فارتفاع سعر سلعة أساسية مثل الطاقة ــ على سبيل المثال ــ لا يؤثر فقط فى سوق الطاقة، بل يمتد أثره إلى تكاليف النقل والصناعة والزراعة والخدمات، ثم إلى مستويات الأسعار والدخول والطلب الكلى، وربما إلى ميزان المدفوعات أيضًا إذا كانت هذه السلعة مستوردة. ومن هنا تطور الفكر الاقتصادى فى القرن العشرين نحو نماذج أكثر شمولًا، وصولًا إلى ما يعرف اليوم بـ «نماذج التوازن العام القابلة للحوسبة» (Computable General Equilibrium – CGE)، وهى نماذج تستخدم البيانات الاقتصادية الفعلية لمحاكاة الاقتصاد بأكمله وقياس أثر السياسات المختلفة قبل تطبيقها.


وقد ظهرت إلى جانبها أيضًا نماذج التوازن العام الديناميكية العشوائية (Dynamic Stochastic General Equilibrium – DSGE)، التى تستخدمها البنوك المركزية فى العديد من الدول لتحليل أثر السياسات النقدية والصدمات الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.


تكمن قيمة هذه النماذج فى أنها تحاول الإجابة عن سؤال بسيط مفاده: ما هو الأثر الصافى لأى سياسة اقتصادية؟ فالسياسات العامة غالبًا ما يكون لها أثر مباشر واضح، لكن هذا الأثر لا يمثل إلا جزءًا من الصورة الكاملة. ولنأخذ مثالًا قريبًا من الواقع المصرى، وهو قرارات رفع أسعار المحروقات التى تُتخذ عادة فى إطار إصلاح المالية العامة أو تقليص عبء الدعم. فالأثر المباشر لهذا القرار يتمثل فى خفض الإنفاق الحكومى على مخصصات الدعم أو زيادة الإيرادات العامة. وقد يبدو هذا الأثر فى الحسابات المالية المباشرة خطوة إيجابية لتحسين عجز الموازنة.


غير أن الاقتصاد لا يتوقف عند الحسابات المباشرة. فالمحروقات ليست مجرد سلعة استهلاكية، بل هى مدخل إنتاج أساسى يدخل فى تكلفة النقل والصناعة والزراعة والخدمات. ولذلك فإن ارتفاع أسعارها ينتقل سريعًا عبر الاقتصاد فى صورة ارتفاع فى تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس بدوره على زيادة أسعار السلع والخدمات. ومع ارتفاع الأسعار، تتآكل القوة الشرائية للأسر، ويتراجع الطلب الكلى فى بعض القطاعات، وقد تضطر بعض الشركات إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل الاستثمار أو خفض العمالة. وفى مثل هذه الحالات قد يظهر ما يمكن وصفه بـ «الأثر الركودى للسياسة».


هنا يصبح السؤال الحقيقى: هل الوفر المالى الذى تحقق للحكومة من خفض الدعم يفوق الخسائر غير المباشرة التى قد تصيب النشاط الاقتصادى؟ أم أن هذه الخسائر قد تلتهم جانبًا مهمًا من ذلك الوفر؟


• • •
فإذا أدى تباطؤ النشاط الاقتصادى إلى انخفاض أرباح الشركات وتراجع الاستهلاك، فمن المؤكد أن تتراجع فى المقابل حصيلة الضرائب وحصيلة الحكومة من مبيعات بعض السلع والخدمات التى تقدّمها للجمهور بأسعار حرة. وإذا ارتفعت معدلات التضخم نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج، فقد يضطر البنك المركزى إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما يزيد بدوره من كلفة التمويل والاستثمار ويعزز من فرص الركود.
وبذلك قد يتحول القرار الذى يبدو فى ظاهره قرارًا ماليًا إصلاحيًا إلى عامل ضغط إضافى على النشاط الاقتصادى إذا لم تُحسب توازناته الكلية بدقة والمدى الزمنى لمختلف التداعيات، إذ من المحتمل أن تقرر الحكومة اتخاذ القرار على أى حال لأهميته فى الأجل القصير مع اتخاذ تدابير لتعقيم الآثار السلبية فى الأجل الطويل.


وهنا تظهر أهمية نماذج التوازن العام، لأنها تحاول احتساب هذه القنوات المتعددة للتأثير فى آن واحد. فهى لا تسأل فقط: كم وفّرت الحكومة من خفض الدعم؟ بل تسأل أيضًا: كيف تأثرت تكاليف الإنتاج؟ وكيف تغيرت الأسعار؟ وكيف استجاب الاستهلاك والاستثمار؟ وما هو الأثر النهائى على النمو والتوظيف والإيرادات الضريبية؟ وما هى الآثار القطاعية المختلفة للقرارات والسياسات؟


وقد أصبحت تلك النماذج أداة أساسية فى تصميم السياسات الاقتصادية فى العديد من الدول. ففى كندا وأستراليا على سبيل المثال تُستخدم نماذج التوازن العام لتقييم أثر السياسات الضريبية والإصلاحات الهيكلية قبل إقرارها، كما يعتمد عليها البنك الدولى وصندوق النقد الدولى فى تحليل آثار الإصلاحات الاقتصادية فى الدول النامية. وليس المقصود من هذه النماذج أنها تقدم تنبؤًا يقينيًا بالمستقبل؛ فالاقتصاد يظل علمًا اجتماعيًا يتأثر بعوامل نفسية وسياسية وسلوكية يصعب نمذجتها بالكامل. غير أن هذه الأدوات تظل أفضل كثيرًا من اتخاذ القرارات فى غياب رؤية كمية للتأثيرات المتبادلة بين القطاعات.


وقد ازدادت الحاجة إلى هذا النوع من التحليل فى العصر الراهن على نحو غير مسبوق. فالعالم اليوم يعيش حالة من التشابك الاقتصادى العميق؛ حيث أصبحت سلاسل الإمداد العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال، والأسواق المالية، والتحولات التكنولوجية، كلها عوامل تجعل الاقتصادات أكثر حساسية للصدمات وأكثر ترابطًا فى الوقت ذاته.


• • •
كما أن الاقتصادات الوطنية نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا بفعل التحول الرقمى واتساع قطاع الخدمات وتداخل الأنشطة الإنتاجية. ولم يعد من الممكن النظر إلى السياسات الاقتصادية من زاوية قطاع واحد أو سوق واحدة، لأن آثارها تنتقل بسرعة عبر الاقتصاد كله. وفى مثل هذا العالم المتشابك يصبح الاقتصاد ــ أكثر من أى وقت مضى ــ علمًا لفهم التوازنات وترويضها إن جاز التعبير. فكل قرار اقتصادى يغير موقع هذه التوازنات، وقد يقود إلى نتائج غير متوقعة إذا لم تُحسب علاقاته المتشابكة بدقة.


فحين تُفهم التوازنات الكلية للاقتصاد على نحو سليم، يصبح بوسع صانع القرار أن يتجاوز الأثر المباشر لأى سياسة ليرى ما وراءه من انعكاسات أوسع، وأن يقدّر محصلتها النهائية على النمو والتشغيل والاستقرار المالى. أما إذا انحصر التقييم فى حسابات جزئية أو آثار مالية آنية، فقد يتحول ما يبدو وفرًا فى بندٍ من بنود الموازنة إلى تكلفة اقتصادية أوسع نطاقًا تنتشر آثارها فى بقية القطاعات.


وقد عرفت مصر نماذج التوازن العام منذ سنوات، حتى إنى أذكر العمل عليها شخصيًا فى مركز معلومات مجلس الوزراء فى مطلع الألفية. ولعل من اللافت أنه قبل أسابيع قليلة أعلن معهد التخطيط القومى إطلاق نموذج قياسى كلى للاقتصاد المصرى، كما أن لدى وزارة التخطيط نماذج أخرى للتوازن العام تهدف إلى محاكاة أثر السياسات الاقتصادية المختلفة على النشاط الاقتصادى والقطاعات الإنتاجية. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل سبقت قرارات رفع أسعار المحروقات مؤخرًا دراسة للأثر الصافى المتوقع على الناتج المحلى الإجمالى وعلى القطاعات الرئيسية فى الاقتصاد، بالاستعانة بهذه النماذج القياسية؟ الإجابة عن هذا السؤال مؤشر كاشف عن المسار الذى تسلكه الحكومة فى صناعة قراراتها الاقتصادية الحاسمة، موقع التخطيط منها.


كاتب ومحلل اقتصادى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة