زيارة معرض الكتاب فى أربعة عقود!

السبت 24 يناير 2026 - 7:34 م

 (1)
يمضى العمر سريعًا، وفى لمح البصر مرت أربعة عقود تقريبًا على أول زيارة لى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب (كان مكانه آنذاك بأرض المعارض بمدينة نصر). الزيارة الأولى كانت فى عام 1987، فى رحلة مدرسية، وكان أول كتاب اشتريته فى هذه الزيارة مجلدًا صغيرًا من ميكى جيب! 39 سنة مرت على هذه الزيارة ولم أنسها أبدًا! ارتبطت وجدانيًا وعاطفيًا بحب الكتاب وانتظار موعد الاحتفال الكبير به سنويًا فى هذا الميعاد. نعم، تبرمجت على أننى أستعد لهذا الحدث كما أنتظر العيد؛ له طقوسه، وله استعداداته، ومباهجه، ومشاقه أيضًا!


طوال هذه الـ39 سنة لم أفوّت زيارة المعرض ولا مرة، منذ كنت طالبًا بالابتدائية حتى الآن.
أستغرب نفسى جدًا وأنا أعاود النظر فيما جرى لى عبر هذه العقود الأربعة؛ من تلميذ لا يحمل للدنيا همًّا ولا غمًّا، إلى شاب فى الجامعة لديه يقين بأنه يطاول السماء ويلمس النجوم بيديه ولا يلوى على شىء.. ثم صرت صحفيًا أتابع المعرض لأغطى فعالياته وأنشطته، وأرصد كل صغيرة وكبيرة تتصل به، ثم كاتبًا ومؤلفًا له أعمال يوقّعها وندوات يشارك فيها متحدثًا ومديرًا، وأخيرًا انضاف إلى هذه الوجوه والشخصيات «الناشر» الذى يشارك فى عملية الإنتاج والصناعة، وترقّب ما تسفر عنه استجابات القراء والزوار من كل الأعمار والشرائح والمستويات الاجتماعية والثقافية.. رحلة طويلة جدًا، لكنها محمّلة بخبرات متراكمة، وما بين براءة الزيارة الأولى فى 1987، وبعض النضج والحنكة فى زيارة 2026، ثمة سياق مركّب ومتداخل هو صورة مصغّرة لمصر والعالم العربى طوال هذه العقود.

 

(2)
تحولات عديدة وتغيرات مذهلة شهدها معرض القاهرة الدولى للكتاب طوال هذه الفترة الطويلة؛ تغيّر مكانه، وتغيّرت إداراته، مرّ بدورات نجاح مذهلة، وأصداء ندوات ولقاءات ما زال المثقفون يحكون عنها ويتحاكون! تغيّر كل شىء إلا «الجمهور»! ما زال معرض القاهرة الدولى للكتاب، وهو فى دورته السابعة والخمسين، يتربّع الصدارة فى الإقبال الجماهيرى كأنه العيد الكبير، أو هو فعلًا عيد الثقافة والمثقفين والكتاب، وطوال أسبوعين.
شىء واحد فقط ثابت لا يتغير مهما جرى، ومهما كانت التقلبات والتحولات والتحديات، ضمن لهذا المعرض الكبير والعريق أن يكون دائمًا فى الصدارة، وأن تكون دائمًا قبلة لكل المثقفين المصريين والعرب، ومن خارج مصر والعالم العربى أيضًا، شاء من شاء وأبى من أبى.. كلمة السر التاريخية دائمًا فى نجاح أيام المعرض، وقاعات العرض، وأجنحة دور النشر هى «الجمهور»؛ الناس، البشر، هم الحياة ذاتها.
هذا الجمهور وحده هو الذى أعطى ويعطى المعرض حيويته ونضارته وحضوره، رغم كل شىء؛ فما زالت الأسر المصرية البسيطة حريصة على زيارة معرض الكتاب ولو ليوم واحد، وما زالت أجيال وأجيال تحافظ على حنينها المتوهج لمعرض الكتاب؛ المواطن المصرى البسيط هو الذى يمنح المعرض كل هذا البهاء والألق والحضور.


(3)
وبرغم كل الظروف والعوامل التى يتخوّف منها الناشرون وأرباب صناعة الكتاب فى ظل صعوبات وتحديات كبيرة جدًا، خاصة بعد أن ألقت الأزمة الاقتصادية فى الأعوام الماضية بظلالها الكئيبة الكابية، فإنه وبدون اتفاق، ولا سابق تخطيط، ومن قلب الإحباط الدامس، انبثق ضياء أمل وفرح ونور تجسّد بصورة مذهلة فى تلك الدفعة الهائلة من النشاط والتفاؤل؛ دفعة غير عادية سرَت فى أوساط المهتمين والمعنيين بالكتاب ونشره وصناعته أولًا، وفى محيط المتعاطين مع القراءة والمعرفة ثانيًا.
نفضت هذه الكتلة العظيمة من جمهور القراء والناشرين والمثقفين عن نفسها أى ظلال يأس أو إحباط أو «انتظار البلا»، وقررت مواجهة كل ذلك بالأمل والعمل، والتفكير خارج الصندوق، ولا شىء آخر غير ذلك!
وتوالت الإعلانات والمبادرات عبر السوشيال ميديا والمواقع الثقافية ودور النشر المصرية، كى تؤكد أنها ستواجه هذه الظروف الصعبة، وستتحدى الغلاء، وستقدم جديدها من المعرفة والكتب رغم أى شيء، وبدأ ظهور الأغلفة الجديدة المبهجة المفرحة، والعناوين التى ينتظرها كل عشاق الكتب والقراءة والأدب والمعرفة عمومًا، من العام إلى العام. وهنا أحب أن أرصد ظاهرة بزوغ جيل جديد من شباب المصممين.
أزعم الآن أن جيلًا، بل أجيالًا جديدة، تتخلق وتتشكل وتعبّر عن نفسها جماليًا وبصريًا، فلم يعد سوق تصميم الأغلفة مقصورًا على الأسماء المعروفة والمكرّسة، والتى سيطرت على هذا النشاط طيلة السنوات العشر الماضية. عشرات الأعمال والأغلفة الجديدة بتصميمات مبتكرة وأفكار رائعة تؤكد حضور هذه الأجيال، وتفتح آفاق هذا الفن إلى حدود لا تحد، وقد أسالت هذه الأغلفة بالفعل لعاب محبى القراءة والشغوفين بها، وأشعلت فضولهم إشعالًا مضاعفًا!


(4)
وفى اليوم الأول لافتتاح المعرض للجمهور (الجمعة 23 يناير)، ملأت صور الحشود والطوابير من الشباب ومن كل الأعمار صفحات السوشيال ميديا ووسائل الإعلام المختلفة. صور، رغم اعتياديتها وتكرارها طيلة العقود الماضية، لكنها فيما مضى تعنى شيئًا، والآن - وفى هذه الظروف - تعنى شيئًا آخر تمامًا.. كل عام ومصر بخير، ومعرضها نوّارة معارض الكتاب، ليس فقط فى العالم العربى، وإنما فى العالم كله.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة