الحرب على إيران.. إلى أين؟
السبت 14 مارس 2026 - 5:35 م
شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا كاسحًا على إيران يوم 28 فبراير الماضى فأشعلتا الشرق الأوسط. أسبوعان مرا على الحرب ولم تتبدَّ بعد نتائجها السياسية. هى لم تتبدَّ لأن الولايات المتحدة لم تحدد الأهداف التى تبغى تحقيقها من شنها. الولايات المتحدة تذكر أهدافًا تتأرجح بين تدمير قدرة إيران على إنتاج سلاح نووى، وتدمير كافة قدراتها النووية، وتدمير قدراتها الباليستية، وقدرتها على إعادة بناء نفسها، ثم تغيير النظام السياسى فيها برمته. تتأرجح أهداف الولايات المتحدة باختلاف المتحدث باسمها، وبين تصريح وآخر لنفس المتحدث. ليس فى سلوك إسرائيل نفس التأرجح، فهى لم تعلن بدايةً عما تبغى الوصول إليه بالحرب التى اشتركت فى إشعالها، وعندما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلى مؤخرًا قال إنها لتدمير قدرة إيران على إنتاج قنبلة نووية، مضيفًا أنها كذلك لخلق الظروف اللازمة لتغيير النظام الإيرانى. السؤال الذى يثور الآن لدى الأطراف المتضررة من الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، ولدى مراقبى السياسة والاقتصاد الدوليين، ولدى الجمهور عمومًا، هو عما إذا كانت الحرب فى سبيلها للانتهاء، أم أنها ستمتد لفترة طالت أو قصرت.
تحديد أهداف الحرب ضرورى لقياس تحققها، وبالتالى لتوقع إن كان الطرف الذى شنها سيضع حدًا لها أم لا. النظام السياسى الإيرانى لم يتغير، ولذلك يمكن توقع استمرار الحرب حتى يتحقق هدف تغييره. إلا أن التأرجح فى تحديد الأهداف الأمريكية من الحرب يمنح الولايات المتحدة مرونة تسمح لها بإعلان انتصارها، حيث إنها، على ما قالت، حققت أهداف تدمير القدرات النووية، والقدرات الباليستية، والبنية الأساسية الإيرانية، مع السكوت عن عدم تحقق تغيير النظام. فى هذه الحالة، بعد إعلان انتصارها، تسحب الولايات المتحدة القوات التى نشرتها مؤخرًا من المنطقة ومن البحار الدولية المتاخمة لها. ينشئ هذا التصور خلافًا مع إسرائيل التى لن تكون الظروف التى أوجدتها قد أدت إلى تغيير النظام الإيرانى. ولأنها لا تستطيع الاستمرار فى خوض الحرب وحدها، فإن هذا الخلاف مع الولايات المتحدة قد يثير مشكلات سياسية داخل إسرائيل.
ومع ذلك فإن التحليل الذى انتهينا منه للتو يبقى على السطح. الأهم منه هو التعرف على الأسباب التى يمكن أن تدفع الولايات المتحدة إلى الإعلان عن تحقق أهدافها وعن إنهاء عملياتها العسكرية ضد إيران. هذه الأسباب أو بعضها تدركها إيران، ولذلك أعلنت أنها لن توقف الحرب من جانبها، لأن مجرد إيقافها يعيدها إلى وضع العقوبات والحصار الاقتصادى الذى خنقها عشرات السنين الماضية، وهو ما لا تريده بأى من الأشكال. استمرار الحرب جانب من استراتيجية إيران لتحقيق أهدافها المعلنة الثلاثة، وهى الاعتراف بحقوقها المشروعة بما فى ذلك رفع العقوبات عنها، وتسديد تعويضات عن الخسائر التى لحقت بها، وضمانات دولية بعدم هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل عليها من جديد.
• • •
إيران وسعت الجبهة العسكرية والسياسية والاقتصادية لحربها مع الولايات المتحدة حتى تحول دون إعلانها النصر والرحيل. لأنها لا تستطيع أن تصل إلى إقليم الولايات المتحدة ولا إلى الأسطول الأمريكى المتجمع فى المحيط الهندى، فإنها ردّت على الهجوم الأمريكى عليها باستهداف القواعد الأمريكية فى دول الخليج، بل ومبانٍ مدنية يوجد فيها أفراد من القوات أو الاستخبارات الأمريكية. بخلاف أنها ربما أوعزت إلى حزب الله بفتح جبهة عسكرية أخرى مع إسرائيل، فإن استهداف القواعد والمقار الأمريكية فى الخليج خلق جبهة سياسية للولايات المتحدة مع دوله، وإن بقيت كامنة فى الوقت الحالى. فى منظور الولايات المتحدة، قواعدها هى عناصر فى استراتيجيتها الإمبراطورية التى تريد بها تغطية العالم أجمع، أما غايتها فى ضمير دول الخليج فهو حمايتها من دول أكبر مجاورة لها وأولها إيران. فها هى إيران تصيب أقاليمها باستهداف القواعد الأمريكية فيها، ولا ردّ ولا دفاع أمريكى عنها! بدلًا من أن تدافع عنها، كانت القواعد الأمريكية سببًا فى الهجوم عليها. استمرار الحرب من شأنه إما أن تبدأ الولايات المتحدة فى الدفاع عن قواعدها فى الخليج لتعمق بذلك من المواجهة فيها، مع ما يستتبعه ذلك من ارتفاع التكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية للحرب، وهى تكلفة لا يريد تحملها الداخل الأمريكى، بما فى ذلك وخصوصًا جانب مهم من أنصار الرئيس الأمريكى. أما إن استمرت الولايات المتحدة فى عدم الدفاع عن أقاليم دول الخليج، فإن الجبهة السياسية الأمريكية الخليجية الكامنة من شأنها أن تنفتح.
واتساع الحرب فى الخليج له تكلفة اقتصادية وسياسية أوسع كثيرًا. هو كفيل باستمرار كل من الارتفاع فى أسعار النفط والغاز الطبيعى، وما لا يقل أهمية، العجز عن توقع المعروض منهما. لذلك تكلفة سياسية مضاعفة على الرئيس الأمريكى فى داخل بلاده، حيث يرتفع ثمن البنزين الذى يستهلكه المواطنون الأمريكيون، ويرتفع كذلك معدل التضخم. ولاتساع الحرب واستمرارها تكلفة اقتصادية هائلة على النظام العالمى للإنتاج والتبادل، وكذلك، وهو مما لا بد من التنويه به، على الدول الكثيرة التى تعتمد على أسواق عمل الخليج لتحل ولو جزئيًا مسائل التشغيل فيها، وكمصادر للتحويلات المالية بالعملات الصعبة التى تحتاجها موازين مدفوعاتها. الضغوط السياسية على الرئيس الأمريكى ستتصاعد داخليًا، بينما شهور قليلة تفصله عن انتخابات منتصف الفترة الرئاسية التى يمكن أن تؤدى به إلى أن يصبح رئيسًا مشلولًا تمامًا عن الفعل السياسى فى السنتين الأخيرتين من رئاسته.
• • •
الفاعلون المتضررون فى النظام الدولى، من دول وشركات كبرى، يمكن تمامًا أن يمارسوا بدورهم ضغوطًا على الرئيس الأمريكى حتى يتوقف عن الحرب. فى الأربعة عشر شهرًا الماضية، منذ أن تولى الرئاسة لفترة ثانية، تصرّف الرئيس الأمريكى على أساس أن الولايات المتحدة إمبراطورية هو إمبراطورها. فى مفهوم الإمبراطورية الدول الأخرى ولايات تنصاع للإمبراطور وتنزل على إرادته. ليس لهذه الولايات أن تتصور أن لكل منها سيادة تُحترم على غير رغبته. من هذا المنظور ليست الدول متساوية فى السيادة. الرئيس الأمريكى استخدم التعريفات الجمركية، والبوارج والزوارق الحربية، وأخيرًا الحرب لفرض منظوره لعمل النظام الدولى. بيانًا على تصوره لهيراركية السيادات فى النظام الدولى أنه بعد النجاح فى اختطاف رئيس فنزويلا، أعلن الرئيس الأمريكى أنه يريد أن تكون له كلمته فى اختيار المرشد الأعلى الإيرانى الجديد. هذا لم يحدث. ولكن حتى من قبل ذلك، لم ينضم نفس حلفائه الأوروبيين ولا كندا إلى مجلس السلام الذى أنشأه، لأنها لم تقبل هيراركية السيادات فى المجلس، فهو احتفظ لنفسه بحق أن ينقض أى قرار يتخذه الأعضاء إن لم يعجبه. دولتان حليفتان للولايات المتحدة فى حلف شمال الأطلسى، هما إسبانيا والنرويج، على لسان رئيس وزراء كل منهما، أعلنا إدانتهما للحرب على إيران على أساس انتهاكها للقانون الدولى العام، وتحديدًا لمبدأ الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها الوارد فى المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. زمن الإمبراطوريات ولّى حتى على الولايات المتحدة نفسها. بدون أن ينجح فى فرض نظامه الإمبراطورى، ما فعله الرئيس الأمريكى هو بث الفوضى فى النظام الدولى باستباحته لمبادئ التعامل فيه. تدخل الدول المتضررة من الحرب لدى الرئيس الأمريكى يمكن أن يكون فرصة للتورية على فشل مشروعه الإمبراطورى.
• • •
يبقى التساؤل عما إذا كانت إيران تستطيع فعلًا إطالة أمد الحرب والامتناع عن إنهائها إن أعلنت الولايات المتحدة وقف هجماتها عليها. علاوةً على مقتل أكثر من الألف من القادة السياسيين والعسكريين والمواطنين العاديين، دمرت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية نصف القدرات الصاروخية والدفاع الجوى لإيران، وهى ضربت 176 مدينة، وأغرقت أغلب قطع البحرية الإيرانية، كما أنها هدمت جانبًا كبيرًا من البنية الأساسية، والمستشفيات، والمدارس، والمصانع. هل تستطيع إيران أن تتحمل حقًا هجمات أكثر كثافة من الجو عليها إن استمرت الحرب، وأن تتصدّى للقوات البرية الخاصة التى يتردد الآن أن الولايات المتحدة سترسلها لتعزز عملياتها العسكرية ضدها، وكذلك لضمان مرور ناقلات النفط والسفن التجارية من مضيق هرمز؟ مفهوم بالطبع أن هذه القوات يمكن أن تصير نقطة ضعف وليس قوة للولايات المتحدة.
فترة تحمل الحرب ليست نفسها للولايات المتحدة ولإيران، ولكنها بالضرورة محدودة لكليهما. انتصار أى منهما انتصارًا عسكريًا وسياسيًا كاملًا ليس واردًا. ليكون فعالًا، تدخل الدول المتضررة لديهما باقتراحات لوضع حد للحرب ينبغى أن يحدث عندما تقترب فترة تحمل كل منهما على النفاد. مضمون الاقتراحات يحتاج مقالًا وحده. غير أنه فضلًا عن إنقاذ ماء وجه الطرفين وتحقيق عدد من الأهداف الأساسية لكل منهما، فهى يجب أن تشدد على إعادة الاعتبار لمبادئ التعامل فى النظام الدولى، وأولها عدم اللجوء إلى استخدام القوة والمساواة فى السيادة بين الدول.
لعل مصر تكون من بين الأطراف المتدخلة لدى الطرفين.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا