فى محبة أحمد رجب

السبت 14 مارس 2026 - 5:40 م

يكفى أن أتذكر اسمه هكذا مجردًا «أحمد رجب»، حتى أستدعى ابتسامة غائبة، أو شخصية كاريكاتورية مدهشة، رسمها مصطفى حسين، أو حكاية ساخرة تحوّلت من خلال موهبة الراحل عاطف بشاى إلى فيلم تليفزيونى لا ينسى. عند جيلى بالذات فإن أحمد رجب، هو أحد أسطوات حرفة الكتابة الساخرة، مع زميل المشوار الكاتب الكبير محمد عفيفى.


فى سنوات الصبا، كنت أبدأ قراءة الجريدة من «نصّ كلمة»، ويكون موضوعها عادة مثارا للتندر طوال اليوم مع أبى، وعندما ظهرت شخصيات رجب الكاريكاتيرية، أصبحنا نطلق أسماءها على شخصيات الواقع، فهذا الرجل يشبه مطرب «الأخبار» فى رداءة الصوت، وهذا مثل قاسم السماوى فى الحقد والحسد، وهذا فلاح كفر الهنادوة مثال الفصاحة والذكاء، وهذا عزيز بك الأليت الثرى المنفصل عن الدنيا، وذاك نقيضه الكحّيت، أقرع ونزهى، ولا يتوقف عن الادعاء.


وهذا عبده مشتاق، الذى ينتظر المنصب فى كل تعديل، وذاك عبد الروتين حافظ اللوائح، وهذا «كمبورة» المرشح الدائم، الكذوب والانتهازى، وهؤلاء الجالسون يشبهون زبائن قهوة الموظفين العراة والمتأملين!


استعدتُ مع هذا الكتاب الصادر عن دار ريشة تحت عنوان «ضحكة مصر.. أحمد رجب»، من تأليف عاشق الصحافة ومؤرخها محمد توفيق، بهجة عالم رجب البديع، فقد بعثته السطور حيّا عبر دراسة شاملة عن الرجل وكتاباته ونوادره، وقرأنا من جديد نماذج من الأدب الساخر الحقيقى، فى زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبحت فيه الإيفيهات البائسة والسمجة، بديلًا عن هذه الكتابة المبدعة.


أسعدنى أكثر أن توفيق رسم بورتريهًا إنسانيّا عن أحمد رجب نفسه، الذى بدا لجيلنا كشخصية غامضة تمامًا، لا نراه فى التليفزيون، ولا تُنشر فى الصحف إلا صورة صغيرة لم تتغير من سنوات، ولا نعرف شيئًا عن تاريخه الصحفى قبل تألقه فى الكتابة الساخرة، وقبل أن نسمع اسمه على حلقات «شنبو فى المصيدة» الإذاعية، وقبل أن نرى اسمه كاتبًا لسيناريو فيلمين هما «نصّ ساعة جواز»، و«شىء من العذاب».


ولد أحمد إبراهيم رجب فى منطقة الرمل بالإسكندرية، درس وتخرّج فى كلية الحقوق، ولكنه عشق الصحافة والموسيقى، فشل فى إتقان العزف على الكمان، فقرر أن يعزف على الكلمات، لفت الأنظار بكتابته الساخرة فى جريدة جامعية، وعندما عمل مراسلًا لمجلة «الجيل» فى الإسكندرية، لفت نشاطه أنظار موسى صبرى، فطلب من على أمين إحضار هذا الشاب الموهوب إلى القاهرة، وبدأت مسيرة صعوده محررًا صحفيّا، ثم كاتبًا ساخرًا فى صحف ومجلات دار «أخبار اليوم».


وحتى عندما انتقل رجب إلى مجلة «الكواكب» لفترة قصيرة، لفت الأنظار بأفكار مبتكرة عجيبة، مثل فبركة مسرحية من فصل واحد من تأليفه بعنوان «الهواء الأسود» نسبها إلى دورينمات، ثم عرضها على الكتاب والنقاد، الذين استفاضوا فى شرح عبقرية النصّ، وكشف بعد ذلك أنه هو مؤلف المسرحية للسخرية من تيار مسرح العبث، وقد كتبتُ دراسة طويلة فى مجلة (أكتوبر) عن هذه الواقعة الفريدة.


الساخر الأبدى من الزواج ومن المتزوجين، عاش حياة زوجية مستقرة مع زوجته السيدة عصمت فخرى، التى سبقته إلى الرحيل، ولكنه اعترف لتوفيق أنه ارتبط بقصة حب عميقة مع فنانة استعراضية شهيرة، وكاد أن يتزوجها بالفعل.


ظل رجب بعيدًا عن الأضواء، متفرغًا للصحافة، حيث وصل إلى منصب مدير تحرير مجلة «الجيل»، ورفض السادات أن يصبح رجب رئيسًا لتحرير «آخر ساعة»؛ لأنه، على حد قول السادات، «ما بيسمعش الكلام».


كانت لدى أحمد رجب قرون استشعار لاكتشاف مكان الشكوى والألم، وتحويل رأيه الصريح إلى سخرية لاذعة. عرف بحكم دراسته حدود النقد والسب والقذف، لذلك استطاع أن يهاجم ويسخر دون أن يقع تحت طائلة القانون.


يحفل الكتاب بنماذج من انتقادات رجب وتشبيهاته اللاذعة، انظر مثلًا إلى اللقب الذى أطلقه على «وزير الكهرباء» بعد كثرة انقطاع النور، فقد جعله وزيرا «للإطفاء»، ومنحه لقب «مُطفى الديار المصرية»، وكتب مرة يقول: «احتفل ماهر أباظة وزير الكهرباء بعيد ميلاده الخمسين، وأطفأ خمسة أحياء فى القاهرة».


أما انتقاداته لبرامج التليفزيون ومسلسلاته، فقد كانت حادة ومتكررة، فقد اعتبر أن برامج التليفزيون من أدوات تعذيب المساجين، وما زلتُ أتذكر انتقادات رجب لوزير المالية محمد الرزاز عبر كاريكاتير مصطفى حسين. كانت تلك الانتقادات قوية ومؤثرة، لدرجة أن الرزاز عندما زار نجيب محفوظ فى المستشفى، إثر محاولة اغتياله، لم يفلت محفوظ الفرصة لإبراء ذمته المالية، مؤكدًا للرزاز تسديد كل ما عليه من التزامات للدولة.


الغريب أن «نصّ كلمة» التى ظهرت لأول مرة فى يوليو 1968، كانت تستغرق ساعات فى كتابتها، ولا تختلف هذه المعاناة عن ساعات ولادة الكاريكاتير اليومى مع مصطفى حسين، لو دخلت عليهما وقت هذا «العصف الذهنى»، لظننت أنهما فى مجلس عزاء.


قارئ الكتاب سيلاحظ أن تألق أحمد رجب جاء وسط مناخ ثقافى وفنى وصحفى رفيع، رجب مثلا كان صديقا لـ محمد عبد الوهاب، وكان شاهدا على تلحين أغنية «بافكر فى اللى ناسينى» فى حدائق رأس التين، وحضور مصطفى أمين وعلى أمين كبير وحاسم فى رحلة صعود أحمد رجب وتألقه: مصطفى أمين هو الذى جمع بين فكرة رجب وريشة مصطفى حسين، وعلى أمين نوادره لا تنتهى مع رجب، فقد كان يرفته فى لحظة الغضب، ثم يعيده إلى منصبه، وأطلق على أمين على أحمد رجب اسم «جاك»، هو مدير مطعم فى لندن، كان يرفته صاحب المطعم، كلما حدث شىء يغضب الزبائن!


تمنيتُ لو منح رجب وقتا أطول لكتابة الدراما، وتمنيت لو نفّذ مع فطين عبد الوهاب فكرة تحويل مسرحية «عطيل» إلى فيلم كوميدى! كان سيصبح حقّا فيلمًا طريفًا.


ترحّمت أخيرًا على الألمعية التى تمتّع بها صاحب «الفهّامة».
كم نحتاج بشدّة إلى تلك «الفهّامة» فى هذه الأيام الصعبة.

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة