x قد يعجبك أيضا

لقد أفلح من حار

السبت 14 مارس 2026 - 5:40 م

يواصل أحمد غريب استخدام السرد الذاتى الذى يسمح بطرح أسئلة فلسفية عميقة عن الوعى بتحولات النفس والعالم المتغير الذى يعيش فيه. وذلك من خلال كتابه «صباح الخير يا افندم» الذى صدر أخيرا عن دار «بيت الحكمة»، بعد ست سنوات من نشر روايته «كسور المرايا» التى تناول فيها شخصية مهاجر ورحلته فى الغربة تحديدا فى دبى مع تحليل المشهد السياسى فى الوطن العربى وعصر التكنولوجيا، وهو تقريبا الموضوع الذى يتصدى له أيضا هذه المرة، ولكن مع اختيار قالب أدبى مختلف، إذ لجأ إلى تقديم «نوفيلا» وهى شكل نثرى خيالى يقع طوله فى منطقة متوسطة بين القصة القصيرة والرواية الطويلة، يتميز بتركيزه على حبكة واحدة محددة وشخصيات أقل تطورا من الرواية، ويمكن عادةً قراءتها فى جلسة واحدة. نتابع تسلسل الأحداث فى «صباح الخير يا افندم» من وجهة نظر الرواى وهو الشخصية الرئيسية فى الكتاب، رجل فى منتصف العمر ينظر كثيرا إلى وجهه فى المرآة ليتابع آثار الزمن وتعاريجه، ويشاركنا ملاحظاته منذ وصوله إلى مقر إقامته الجديد فى إحدى دول الخليج النفطية أو مدن الصحراء كما يسميها. تتكشف تفاصيل الشخصية تدريجيا وتتضح ملامحها التى تشبه المؤلف فى كثير من الأمور، فأحمد غريب الذى ينتمى لجيل التسعينيات سافر للعمل فى الإمارات، ثم انتقل بعدها للعيش فى كندا مثل العديد من الأسماء التى ظهرت معه واقترنت بتيار كتابة شابة مغايرة تهتم بالتفاصيل اليومية والسرد الذاتى والمشهدية السينمائية. هاجر معظمهم فى مرحلة لاحقة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، وانقطع بعضهم لفترة عن الكتابة أو تباطىء فى النشر، ثم عادوا فى السنوات الأخيرة لتقديم أعمال ترصد وتحلل التغيرات التى ألمت بنا وبهم، فهم «جيل تخوم» شهد عوالم تنتهى وأخرى تتحول ثم تؤول إلى زوال ليظهر مكانها جديد.


• • •
يشرح لنا بطل النوفيلا الفرق بين الغربة والترحال، فهذا الأخير ينطوى على «قبول بالطواف الدائم، بتخفيف الارتباط بالأشياء وتقويته بالمعانى»، أما الغربة فهى «إحساس ثقيل بعدم القدرة على فك روابط ثقيلة لا تريدها، الإحساس بأنها تسحبك فى اتجاهها، بعيدا عما يشبهك». فكرة فك الارتباط والتحرر من كل قيد وكسر الأطواق والأطر تتكرر على مدار العمل، مثلما فكرة الاقتراب من الموت أو الاستعداد له وانطباع أنه يبدأ الشوط الأخير من العمر. يشعر الراوى أنه «معلق دون رباط تقريبا إلا الصداقة»، وهو «ما زال حائرا بين التزامه بطفل بدأ مرحلة الشباب المبكرة من زواجه الذى انتهى، ورغبته فى البحث عن مكان جديد وبداية جديدة تماما، وحنينه المقابل إلى استقرار فى مكان يألفه، وحب يخبئه له المستقبل». أحيانا يتملكه تأنيب الضمير تجاه حبٍ مضى، تمر بباله ذكرى صديقة سابقة يشعر أنه خذلها ويحاول أن ينساها، وتعبر الكتاب لمحة صوفية تمر هى الأخرى كسحابة. يردد «لقد أفلح من حار»، فهو لا يعرف إذا كان يرى ما وراء الأشياء أو الأشياء نفسها أم صورتها، ولا يعرف إذا كان قد أحب فعلا من قبل. يشاطرنا نظرته للحب، فهو ليس لعبة صيد كما كان يعتقد لسنوات، فللصيد لذة حلوة، ولكن ربما آن الأوان لكى يبحث عن حب حقيقى قد يساعده فى اجتياز لحظات ارتباكه الحالية.


يحاول أن يصنع روتيناً فى هذه المدينة التى وصل إليها- بعد غياب عن منطقة الخليج- للعمل بإحدى الشركات متعددة الجنسيات، وكان قد عاش فى كندا عقدا من الزمان اقترب فيه كثيرا من أوساط اللاجئين من خلال اشتغاله بالترجمة، لكن عودته هذه المرة ضمن مشروع غير صحفى حتى وإن ارتبطت وظيفته بالكلمات، فمهمته الجديدة تعتمد على تفكيك اللغة وتحليلها وإعادة تشفيرها لتغذية وتحديث الذكاء الاصطناعى. يناقش مع زملائه يوميا سيلا من الكلمات والأرقام لإيجاد طريقة محكمة تجعل الآلة تفهم حديث كل شخص بلهجته الخاصة، وما يمكن أن تعنيه كل كلمة. يقوم بعد ذلك برنامج الذكاء الاصطناعى بربط المعانى ويعود ليقترح عليهم محادثات أخرى مفتعلة، ثم يأتى دور الفريق فى تقييم عمل الذكاء الاصطناعى المبهر فى تخيل أحاديث متنوعة من الاستخدامات التى اقترحوها ومن محادثات مسجلة أخرى، بعدها تبدأ دورة أعمق تضم مزيدا من أجزاء المحادثات والنصوص وتتسع الجداول والمجالات المحتملة للمعانى، عملية معقدة ووضعية غريبة «لا يعرف كيف جرفته معرفته باللغة والكلمات إلى هنا»، صار يعمل «فى خدمة الآلة».
• • •
هذه الأجزاء من الكتاب التى تتعلق بطبيعة وظيفته وأجواء العمل فى دول الخليج تلقى بنا فى خضم الأحداث المعاصرة. يتحدث مثلا عن تأثير حربى أوكرانيا وغزة على إعادة تشكيل التوزيع الجغرافى لمكاتب الشركة العالمية. يأخذنا إلى عوالم سرية متعددة المستويات، فلكل شخص عالمه السرى الذى يتحرر فيه من القيود ويتصرف كما يحب، وهو ذلك العالم اللذيذ الذى تتلصص عليه الشركات باستخدام مصفوفات وخوارزميات الكلمات للكشف عن الدوافع الحقيقية للأفراد بعيدا عن المظاهر والأعراف المجتمعية. «كانت فضائح ألكسا، تلك الشخصية الافتراضية التى ابتكرها أمازون كاشفة أن الهواتف تراقب وتسجل كل ما يقال. لكن التحول الجديد المرتبط بالحرب لم تُعرف أسبابه بعد». ينقل لنا المؤلف كذلك أجواء العمل فى الخليج بعيون بطل النوفيلا: «بعد الأيام الأولى ستتحول المودة إلى استقطابات، ثم مناوشات بين الزملاء. يدير المدراء من أهل البلد هذه الصراعات بكفاءة بين العاملين الوافدين، يرفعون حرارتها ويخفضونها حسب الحاجة (...) وأحيانا، يتم تغذية النميمة والوشاية بين الجميع لمجرد إبقاء النظام فعالا دون مطالبات بتعديل الرواتب». صداقات سطحية تحكمها المنافسة المهنية، وثقافة استهلاكية تمثلها الأسواق والمولات التى يفتخر بها الجميع وكأنها انتصار: «ربما لديهم حاجة إلى انتصارات تبرر الغربة»، وتفاصيل أخرى كثيرة سبقه إليها بتنويعات مختلفة كتاب مصريون من أجيال متعاقبة تناولوا تجارب الاغتراب فى بلاد النفط مثل محمد البساطى وفتحى إمبابى وعبد الوهاب الأسوانى وميرال الطحاوى.
يخلص أحمد غريب إلى أن بلاد الصحراء لا تخلو من المفاجآت. أيقن أحد أبطاله أن «غدر الصحراء ليس قصراً على أحد بعينه، إنه أسلوب حياة فى المدن المغرية»، ولم تخيب ظنه الأيام.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة