بعض المشروعات البحثية.. تبدو كأنها كلام فارغ
الجمعة 16 يناير 2026 - 6:41 م
لماذا تنفق بعض الحكومات المليارات من أجل ما يبدو أنه كلام فارغ؟
كيف نعرف الغث من السمين فى البحث العلمى؟
هل الفضول العلمى تضييع للوقت والمال؟
هناك مشكلات بحثية تحل مشكلات موجودة بالفعل، وهو البحث العلمى التطبيقى، وقد تحدثنا فى مقالات سابقة عن أنواع الأبحاث العلمية. لكن إذا نظرنا حولنا سنجد بعض الأبحاث العلمية الكبرى، التى تتكلف مليارات ولا تبدو أنها ذات فائدة. مقالنا اليوم عن هذه الأبحاث، ولماذا تنفق الدول أو الشركات الكبرى تلك الثروات دون عائد واضح. من الصعب أن نقول إن هذه الثروات تُنفق فقط من أجل الفضول العلمى. لننظر إلى بعض الأمثلة ونحللها.
• • •

أمثلة من مشروعات بحثية قد تبدو بلا فائدة
هناك أمثلة كثيرة على مشروعات قد تبدو من باب الرفاهية أو غير ذات فائدة، لكن الحقيقة غير ذلك، وإن كانت تحتاج إلى بعض التفكير الدقيق:
صممت شركة «آى بى إم» الشهيرة جهاز كمبيوتر، خصيصًا كى يلعب الشطرنج. هذا ليس جهازًا عاديًا، بل تم تصميم رقائق كمبيوتر (chips) متخصصة للعب الشطرنج. تم تصميم وتصنيع هذا الجهاز سنة 1996، ثم تم تطويره سنة 1997، وسُمّى (Deep Blue). هذا الجهاز كلف الشركة حوالى عشرة ملايين دولار، فقط من أجل أن يلعب الشطرنج. وقد فاز فعلًا على بطل العالم فى اللعبة آنذاك، جارى كاسباروف، وهى أول مرة يفوز فيها الكمبيوتر على بطل العالم. لكن هل يُعد هذا الفوز مبررًا كافيًا لإنفاق مثل هذا المبلغ؟
جدير بالذكر أن أى برنامج شطرنج مجانى تقوم بتنزيله على هاتفك الآن يمكنه بسهولة هزيمة بطل العالم الحالى، وهذا دليل ساطع على أن التكنولوجيا تقدمت بشدة فى العقود الماضية. نعود إلى سؤالنا: ما جدوى ذلك؟
•الهدف الأساسى لم يكن الشطرنج، ولكن دراسة إمكانية بناء جهاز كمبيوتر عملاق يمكنه حل مشكلات بحثية متشعبة تحتاج إلى الكثير من العمليات الحسابية. فالشطرنج قوانينه معروفة، لكن البراعة فيه تحتاج إلى حسابات كثيرة من أجهزة الكمبيوتر، لذلك كان استخدامه من باب المثال لا الهدف.
•البراعة فى هذا الجهاز ليست فى البرمجيات، بل فى تصميم الرقائق، وبالتالى كان هذا المشروع اختبارًا لتصميم رقائق تقوم بعمل مهام معينة بكفاءة، مثل رقائق الذكاء الاصطناعى فى أيامنا هذه.
•بعد نجاح المشروع تم استخدام هذه الدروس المستفادة فى برمجيات الاقتصاد، وبرمجيات التخطيط والتنظيم، وبرمجيات المحاكاة فى التطبيقات العلمية.
مثال آخر على البحوث العلمية التى تبدو بلا فائدة هو استكشاف الفضاء. ما أهمية ذلك؟ قد يقول قائل: «لنحل مشكلات الأرض أولًا قبل أن نلتفت إلى الفضاء»، لكن هناك إجابة عن ذلك:
•استكشاف الفضاء يساعدنا على معرفة الأخطار التى تواجه الأرض، مثل النيازك وما شابهها.
•التكنولوجيا المستخدمة فى استكشاف الفضاء تعود بالنفع على الأرض فى استخدامات مثل الـGPS، ووسائل الاتصال لمسافات بعيدة، ووسائل العزل الحرارى، وبناء أجهزة كمبيوتر تقاوم الأعطال، ناهيك عن التكنولوجيا الطبية.
•استكشاف الفضاء يساعد على الإجابة عن بعض الأسئلة الصعبة، مثل: تأثير الجاذبية على الأحياء، وما العوامل التى يجب توافرها حتى يصبح الكوكب صالحًا للحياة، إلخ.
•كثر الحديث فى العقد الأخير عن الاحتباس الحرارى وتغير المناخ، ومؤتمرات المناخ التى تحضرها أغلب دول العالم. كل ما نعلمه عن المناخ لم يكن ليتأتى من دون استكشاف الفضاء والغلاف الجوى، وتأثير الشمس، وتأثر القمر، إلخ.
وحيث إننا نتكلم عن استكشاف الفضاء، فهناك مشروع بحثى آخر تكلّف الكثير من الأموال دون عائد سريع أو واضح: النسبية العامة لأينشتاين، التى نُشر بحثها سنة 1915. كان الموضوع غريبًا، حتى إن بعض الناس تساءلوا عن أهميته لحياتنا. لكن مع بعض التأمل نجد أن النسبية العامة تُجيب عن سؤال بسيط: ما الجاذبية؟
وللتأكد من هذه النظرية كان لا بد من إنفاق الكثير من الأموال على تلسكوبات متقدمة وأجهزة قياس دقيقة جدًا، وانتظار الوقت المناسب لكسوف الشمس. حدث ذلك بعد أربع سنوات من نشر البحث، أى سنة 1919، فى وقت كانت فيه الدول منهكة اقتصاديًا بعد الحرب العالمية الأولى، ومع ذلك تم تنفيذ المشروع.
كانت نتيجة ذلك معرفة دقيقة بالمدارات التى تدور فيها الكواكب والنجوم والأقمار الصناعية، مما كان له أكبر الأثر فى استكشاف الفضاء وكل الفوائد التى ذكرناها.
بعد هذه الأمثلة يطرح سؤال نفسه: كيف نحدد ما إذا كان المشروع البحثى مهمًا أم لا؟ هنا يجب أن ننمى قدرتنا على التنبؤ بالمشكلات التى قد تواجهنا فى المستقبل، ونرى ما إذا كان المشروع البحثى سيساعد على حل تلك المشكلات؛ أى إننا نريد أن «نُقدّر البلاء قبل وقوعه».

• • •
المستقبل وما قد يحمله من مشكلات
كيف نتنبأ بالمستقبل؟ علم المستقبليات من العلوم المهمة فى عصرنا، وأدعو القارئ الكريم إلى قراءة مقال لكاتب هذه السطور بعنوان «علم المستقبل ومستقبل العلم» بتاريخ 4 إبريل 2021.
كيفية التنبؤ بالمشكلات المستقبلية علمٌ تجتمع فيه علوم كثيرة، وله أصوله وقواعده، لكن من أهم طرقه أن نأخذ كل تكنولوجيا مستخدمة فى عصرنا وندرس تأثيرها فى الناس على المدى الطويل، وهذا يقودنا إلى سلبيات هذه التكنولوجيا.
فعلى سبيل المثال، تقدم وسائل التنقل يجعل الشخص لا يتحرك كثيرًا كما كان يحدث فى الماضى، وهذا ينتج عنه مشكلات صحية مثل السمنة وأخطارها، ومشكلات فى المفاصل، إلخ. واستخدام أدوات البحث الرقمى والذكاء الاصطناعى للحصول على إجابات سريعة يؤدى إلى قلة التركيز لدى الناس، مما ينتج عنه فقدان العمق فى فهم الكثير من الأمور.
كما أن استهلاك كمٍّ هائل من الطاقة من قِبل الحاسبات فائقة السرعة التى تعمل عليها برمجيات الذكاء الاصطناعى سيقود إلى مشكلة فى الطاقة، والمشكلات السياسية والحروب تبدأ فى أغلب الأحيان نتيجة التكالب على مصادر الطاقة، ناهيك عن تلوث البيئة الناتج عن الوقود الأحفورى.
عندما تصبح لدينا قائمة بالمشكلات المتوقعة، يأتى دور تفحص المشروع العلمى المزمع تمويله: هل التكنولوجيا التى سنطورها لهذا المشروع ستساعد على حل تلك المشكلات المستقبلية؟ قد يبدأ الموضوع بفضول علمى، لكن الخطوات التالية من تمويل وبحث علمى، إلخ، تحتاج إلى علم المستقبليات.
• • •
الفضول العلمى قد يقود إلى حلول لمشكلات غير موجودة فى الوقت الحالى، لكنها قد تظهر فى المستقبل. لذلك نحتاج إلى من يستطيع استخدام حلول حالية لمشكلات مستقبلية، ونحتاج إلى من يستطيع التنبؤ بما قد يظهر من مشكلات حتى نستعد لها.

مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا