إيران.. لغز «العطش والعتمة» فى بلاد الغاز
الأربعاء 14 يناير 2026 - 8:00 م
نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتب العراقى وليد خدورى، تناول فيه الانكشاف الاستراتيجى والداخلى للنظام الإيرانى فى مطلع عام 2026، حيث يواجه النظام أزمة «أمن معيشى» حادة (نقص طاقة ومياه وتضخم) ناتجة عن تقديم أولويات التوسع الإقليمى على صيانة البنية التحتية الوطنية.. نعرض من المقال ما يلى:
تواجه الدولة الإيرانية فى مطلع عام 2026 لحظة كاشفة، حيث لم تعد التحديات تقتصر على الضغوط الخارجية، بل انتقلت إلى عمق «الأمن المعيشى» للمواطن. إن انقطاع التيار الكهربائى وشح المياه فى بلد يتربع على عرش احتياطات الغاز العالمية ليس مجرد خلل فنى، بل هو مرآة لترتيب أولويات النظام التى قدمت التوسع الإقليمى على صيانة البنية التحتية. ومع تآكل نفوذ طهران الإقليمى، تبدو الأزمة الداخلية مرشحة للانفجار، لتعيد إلى الأذهان زخم احتجاجات 2022، ولكن هذه المرة بدوافع اقتصادية وجودية.
وفقاً لما أوردته نشرة «أرغوس بتروليوم»، دخلت إيران عام 2026 على وقع قرارات تقشفية قاسية؛ حيث أمرت السلطات الإيرانية بإغلاق جميع الدوائر الحكومية، والمدارس، والجامعات، محذرةً من «إمكانية نقص فى إمدادات الطاقة ووسيلة لتقليص فترة انقطاع الإمدادات الكهربائية للمساكن ولمساعدة الحفاظ على معدل الضغط فى إمدادات الغاز». واستثنت السلطات الرسمية «المبانى الطبية من هذه الانقطاعات، وكذلك مبانى الخدمات المستعجلة ومبانى الدوائر الأمنية».
بيان السلطات الرسمية الإيرانية هذا صدر خلال الأسبوع الأخير من العام الماضى بُعيد إضراب سوق طهران الكبير (البازار)، وهو مؤشر سياسى خطير نظرًا إلى الثقل التاريخى لتجار البازار فى التحولات السياسية الإيرانية، حيث لعب تجار هذه السوق دورا مهما خلال الفترات الماضية فى دعم الثورة الإسلامية، ومن ثم بدأ يتردد الكلام والتحذير من إمكانية تكرار مظاهرات حاشدة وشبيهة بمظاهرات 2022 لتحرير المرأة.
لكنَّ السلطات حاولت التغطية فى بادئ الأمر على الأوضاع الاقتصادية المتردية فى البلاد، حيث ارتفع معدل التضخم السنوى أكثر من 40 فى المائة، وانخفضت قيمة الريال نسبةً إلى الدولار إلى مستوى قياسى منخفض.
تدرك النخبة السياسية فى طهران أن قواعد اللعبة قد تغيرت؛ فالضغوط الاقتصادية تتزامن مع ضعف استراتيجى غير مسبوق بعد الضربات الجوية التى استهدفت المفاعلات والمنشآت العامة، وفقدان حلفاء أساسيين مع تغير نظام الحكم فى دمشق وتراجع نفوذ «حزب الله» فى لبنان. هذا الانكشاف الإقليمى دفع السلطات إلى محاولة امتصاص الغضب داخليا عبر تحديد إغلاق الجامعات فى أنحاء البلاد حتى 15 فبراير، وإعادة فتح المدارس بعد أسبوع من الآن اعتمادا على الأوضاع العامة وانتظارا لبيان جديد قد يصدر فجأة خلال الأيام القريبة المقبلة. كما تمت إعادة التيار الكهربائى إلى بعض أحياء العاصمة، ولكن ليس جميعها.
من المعروف أن إيران، حالها حال دول كثيرة أخرى فى العالم، تبنَّت سياسة «تحول الطاقة» و«مكافحة تغير المناخ»، معتمدةً على «مصادر الطاقة المستدامة»، التى لم تتبين كفاءتها اللازمة إلى الآن للحلول محل المصادر الهيدروكربونية، تماما كما حدث فى أوروبا خلال أزمة «كوفيد ــ 19»، مما أدى بدوره إلى عدم تمكن الطاقات المستدامة فى 2019 و2020 من التعامل بكفاءة مع النقص الحاد فى الإمدادات الهيدروكربونية لتزويد السوق الأوروبية بالطاقة الكهربائية، والتى تعد واحدة من الأسواق الكهربائية العالمية المهمة، نظرا إلى الطلب العالى الأوروبى للصناعات والتدفئة.
لكن الفارق الجوهرى هو أن إيران تملك احتياطات غازية هائلة، من الأكبر عالميا، وشبكة إمداد تغطى أراضيها كافة لتلبية الطلب الطاقوى الداخلى.
تتعاظم التساؤلات حول أسباب الانقطاعات المتكررة فى بلد يمتلك أحد أكبر احتياطات الغاز فى العالم.
لقد فقدت إيران كثيرا من طاقتها المائية مؤخرا بسبب الشح الذى أصاب سقوط الأمطار، ومن ثم النقصان الكبير فى معدل مياه الأنهر ــ حاله حال الوضع فى الدول المجاورة. لكن من غير المفهوم الانقطاعات الكهربائية المتزايدة والمتكررة فى بلد يحتوى على واحد من أكبر الاحتياطات الغازية العالمية، ولديه شبكة توصيل غاز ممتدة على الأراضى الإيرانية كافة. إلا أن التفسير الوحيد هو إهمال أولوية صيانة وتحديث هذه الشبكة على حساب أولوية مغامرات إيران الإقليمية والدولية فى السنوات الاخيرة، ناهيك بالفساد والتدهور الإدارى الذى أصاب عددا من الدول المجاورة.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا