نشر البروفيسور أهارون باراك رسالة للمتظاهرين، خلال التظاهرة الأسبوعية التى نُظّمت فى إطار الاحتجاجات من أجل الديمقراطية، ضمن خطاب مطوّل قدّم تشخيصًا للثورة النظامية، ولقوة الجمهور، غير أن ما تصدّر العناوين كان سبع كلمات منه. سأل باراك وأجاب أن إسرائيل لم تعُد ديمقراطية ليبرالية، لكن متى كنّا كذلك حقًا؟صُدم كثيرون عندما أعلن معهد الأبحاث Varieties of Democracies (V-Dem) خفض تصنيف إسرائيل من ديمقراطية ليبرالية إلى ديمقراطية انتخابية عرضة للخطر، فى مارس 2023، لكن هذا التصنيف لم يفاجئ مَن يتأمل عن كثب. إن تآكل الديمقراطية الإسرائيلية هو مسار متواصل، بلغ ذروته فقط فى الهجوم الأخير على الجهاز القضائى. وفى الواقع، إن توصيف «ديمقراطية ليبرالية» لم يعكس يومًا الواقع المركّب فى إسرائيل بأمانة. ويكمن جذر المشكلة فى الفجوة بين الصورة الذاتية التى غذّيناها على مدى أعوام، وبين التجاهل المزمن لتحدياتٍ جوهرية تمسّ بالطابع الديمقراطى للدولة، والتى يتم إخفاؤها بخطاب الوحدة.تتباهى إسرائيل بسِماتٍ ديمقراطية، مثل إجراء الانتخابات والاقتصاد المزدهر وأعضاء الكنيست العرب، وحتى الحقوق المتقدمة للمثليين. إن «أمة الستارت - أب» تخصصت فى بيع كذبة الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية؛ إنهم أبطال فى تسويق الصورة، لكن تحت السطح، تغرق البنية القيَمية التى يُفترض أن تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية.عمليًا، لم تنجح إسرائيل قط فى مواجهة غياب دستور مكتوب بشكل جدى، يحمى حقوق الإنسان والمواطن، وامتنعت من الحسم بشأن حدودها بشكل صارخ، وفيما يتعلق بطبيعة نظامها، وبمصير الفلسطينيين الخاضعين لسيطرة عسكرية مطولة. وهكذا، على سبيل المثال، نشأ وضع عبثى يجنَّد فيه أبناء الثامنة عشرة بصورة اعتيادية لمهمات السيطرة على سكان مدنيين - وما زالوا يعتقدون أنهم يعيشون فى ديمقراطية سليمة. يمرّ شبان إسرائيليون فى مناطق الضفة الغربية بتجارب تؤدى إلى مشكلة فى الوعى، وتتعلق بالسيطرة العسكرية على سكان مدنيين، ويعتادون التفكير بمنطق «نحن وهم». وتعود هذه التصورات لتتسرّب إلى الخطاب الإسرائيلى، وتؤثر فى طريقة تصوُّرنا لقضايا حقوق الأقليات وحرية التعبير وفصل السلطات والخلافات السياسية.فالفصل الزائف بين إسرائيل "المدنية" وإسرائيل "العسكرية" أتاح تجاهُل خطورة الوضع، إذ فضّل كثيرون إزاحة عدم حلّ القضية الفلسطينية إلى خارج الوعى، استنادًا إلى قاعدة أن "ما يجرى خلف الخط الأخضر يبقى هناك". لكن مشكلة الديمقراطية الإسرائيلية لا تنتهى فى أراضى الضفة الغربية. هل تعرفون ديمقراطية ليبرالية تُملى فيها الديانة سلوك الحيز العام؟ ديمقراطية ليبرالية، تمنعكم من الزواج الذى يتخطى المسارات الدينية؟ هل حرية التعبير لدينا، نحن كمواطنين، مقنّنة فى أىّ قانون.. وماذا عن حرية الصحافة؟الإجابة عن هذا كله هى: لا؛ والطريق إلى تحويل إسرائيل إلى ديمقراطية ليبرالية ليست سهلة، وليست طريقًا نحتاج فقط إلى العودة إليها، بحسب ما يمكن أن يُفهم من بين سطور كلام البروفيسور باراك. ليس صحيحًا أنه حتى 4 يناير 2023، عشية خطاب ليفين، كنا ديمقراطية ليبرالية. لقد كنا ديمقراطية معطوبة، وعلينا أن نعترف بذلك.إن رحلة إسرائيل نحو الديمقراطية الليبرالية تتطلب تغييرات من الأساس. نحتاج إلى دستور (أو إطار قوانين) مستنير يحمى حقوق الفرد، وإلى إيجاد حلّ للصراع الإسرائيلى - الفلسطينى، وإلى جهد صادق لتقليص الفجوات والتمييز.ومع ذلك، على الرغم من الصعوبات، فإن ثمة بصيص أمل. فالمجتمع المدنى الإسرائيلى يُظهر التزامًا عميقًا إزاء فكرة الديمقراطية الليبرالية واستعدادًا للإصلاح - وهذا دليل على أن الجمهور لم يفقد إنسانيته. إن كنا نبتغى الإصلاح، فعلينا أن نستوعب أن الطريق إلى الديمقراطية الليبرالية تمرّ بدولة يكون فيها جميع المواطنين متساوين، وليس ديمقراطية ليبرالية لليهود وحدهم. ولا ديمقراطية تفقد صلتها بعد 15 كيلومترًا، شرقى كابلان. وحده الالتزام العميق بالقيم الديمقراطية، والعمل المتّسق على ترجمتها إلى واقع عملى، داخل الخط الأخضر وخارجه، يمكن أن يضمن مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
مقالات اليوم حسن المستكاوي DNA الكرة المصرية! محمد المنشاوي ترامب.. إمبراطور أمريكا الأول محمد بصل الفاشية الدولية كامتحان للإنسان إبراهيم العريس كبيرا السينما والرواية العربيان فى معرض الكتاب القاهرى صحافة عربية «ذكاء المكان».. كيف تتدخل الأشياء فى صياغة أصواتنا؟ مواقع عربية جرينلاند.. حين يصير أى وطن «قابلا للشراء»
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك