كبيرا السينما والرواية العربيان فى معرض الكتاب القاهرى
الخميس 15 يناير 2026 - 7:35 م
تمامًا كما كانت الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، والتى اختتمت موسم المهرجانات السينمائية العربية فى عام ٢٠٢٥، مستبقة الاختتام التونسى لنفس الموسم بأيام قليلة نوعًا من الإعلان عن أن هذا النوع من النشاط السينمائى العربى لا يمكن أن يموت رغم كل الظروف التى تعلن عكس ذلك، سواء كانت ظروفًا ذاتية أو موضوعية، سياسية أم اقتصادية- ها هو معرض القاهرة للكتاب يفتتح دورته الجديدة بوصفه هو الآخر يتخطى عشرات الظروف الرادعة ليشغل المحروسة عدة أسابيع، يعود الكتاب فيها ملكًا، بل يعود فيها مئات الآلاف من الغارقين طوال العام فى هوس البدع المتجلية فى وسائل التواصل الاجتماعى البلهاء، يعودون إلى الشغف القديم بالكتاب والإبداع الحقيقى. بالتوازى مع عودة الكتاب، ملكًا متوجًا بالعديد من الندوات والطاولات المستديرة، ولكن هذه المرة على مستوى عربى رفيع.
ولعل من الطبيعى، وسط كل الظروف الراهنة القائمة فى مصر وخارج مصر، لا سيما المحيطة بمصر من كل جانب، محاولة أن تخنق كل ما يمكنه أن يتحقق فيها وانطلاقًا منها، والتى تكاد فى كل مرة ومنذ سنوات توحى لنا بأن التأجيل، إن لم يكن الإلغاء، وبكل بساطة سيكون سيد الموقف؛ يعود عيد الكتاب، ليستقطب ليس فقط مئات المبدعين العرب ودور النشر والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وصولًا إلى كل أولئك من الذين يمضون الشهور الفاصلة بين دورتين ينسون الكتاب إن لم يعلنوا موته، ثم نراهم هم أنفسهم يكسرون حصالاتهم لجمع القروش التى يسرعون بها إلى المعرض ليتفقوها على شراء كتب يحلمون باقتنائها. ثم يبحثون، إن تبقّى لديهم شىء منها، عن الجديد يجازفون بالحصول عليه، وقد سئموا ما يعتقدون طوال العام أنه بات هو ما يُقترح عليهم عبر تلك المواقع البائسة التى تبدو فى لحظات اليأس، وكأنها تحل بديلًا لكل شىء.
فى دورة هذا العام ثمة، على أية حال، جديد، لكنه مزدوج، ومن نوع مختلف إلى حد كبير، ويحمل اسمين قديمين على أية حال، اسمان هما من الأكثر رسوخًا فى الراهن الإبداعى العربى: نجيب محفوظ ويوسف شاهين.
صحيح أن سيد الرواية العربية ورائد التجديد السينمائى العربى قد اجتمعا فى حياتهما وعملهما، لكن ليس كما كنا نفضل. اجتمعا حول مساهمات من محفوظ فى سيناريوهات حققها شاهين بالكاد يمكن تلمّس إضافات فيها، ولكن مرة واحدة أيضًا وخاصة، وذلك فى نص لصاحب الثلاثية تحوّل على يد شاهين إلى واحد من أقوى أفلامه. ونتحدث هنا طبعًا عن فيلمهما المشترك «الاختيار» (١٩٧٠). لكننا، نحن أصدقاء المبدعين الكبيرين، كنا نتمنى لو أن شاهين أفلم واحدة من روايات محفوظ (وكاتب هذه السطور اقترح على الاثنين أن يجتمعا فى أفلمة لرواية محفوظ «حضرة المحترم»)، لكن أمنياتنا لم تتحقق رغم مساعٍ كثيرة بذلناها، مساعٍ ضاعت كلها و«عزّ اللقاء»، كما قد تقول أم كلثوم. ولم يجتمع الكبيران بالتالى كما كان يمكن للإسكندرية والقاهرة أن تجتمعا من خلالهما!
غير أن معرض الكتاب يجمعهما هذا العام، فهو اختار محفوظ كأديب للعام، دون أن ينسى حتمية الاحتفال بمئوية ولادة شاهين (١٩٢٦). وهكذا تمكنت المناسبة الكتابية القاهرية الكبرى من أن تحقق لقاءً لم يتحقق فى حياة الكبيرين، وخلال الزمن الذى كان فيه كل واحد منهما جزءًا من حياتنا اليومية وهوسنا الإبداعى، وربما الرفاقى أيضًا.
طبعًا لا يمكننا أن نتصور منذ اليوم، ولا تزال ثمة أيام تفصلنا عن الافتتاح الكبير لما بات منذ سنوات طويلة يُعتبر أهم مناسبة إبداعية فى الراهن العربى - وليس المصرى فقط - بل يُعتبر حتى أبلغ رد على الانهيارات التى لا تُعد ولا تُحصى، والتى تصيب معظم ما نعيش له وفيه من حياتنا اليومية، إلى ذاكرتنا الروحية، مرورًا طبعًا بواقعنا وعقلنا الإبداعيين؛ لا يمكننا أن نتصور تمامًا كيف سيكون اللقاء بين العملاقين. لكن كُثُرًا منا، نحن أصدقاء الطرفين (ترى هل بقى منا كُثُر ينتظرون مثل هذا اللقاء بلهفة؟!)، يتمنون لو تحدث معجزة ما تُحوِّل ذلك اللقاء إلى محكمة، وتحديدًا «أمام العرش»، تسير على درب المساءلة العامة والذاتية، الدرب الذى صاغه فيلم «حدوتة مصرية»، ويكون قوامه سؤال مشترك يوجهه إلينا وإلى من تبقّى على شىء من الحيوية مبدعون من أبناء النخب العربية، مبدعانا الكبيران، من حيث هما الآن فى الما- وراء، ولكن أكثر من ذلك فى ضمير، كما فى وعى من يقرؤونهما بشغف نعرف أن هؤلاء يتزايدون مع مرور الزمن، ويزداد معهم إحساسهم بأن «نوبل» للأول و«السعفة الذهبية» للثانى لم تعطيا لمصر من طريقهما عبثًا.
صحيح أن كاتب هذه السطور ليس من أنصار أدب الشعوب ولا الفولكلور وما إلى ذلك، بل يحب دائمًا أن يتذكر أن المكافآت الكبرى إنما هى حق المبدع وملكه الخاص، لكنه يقدّر أيضًا كون محفوظ وشاهين وصلا إلى ذروتيهما العالميتين هاتين لأنهما أيضًا أحبا الأرض التى نشأ عليها والشعب الذى نشأ بينه.
وهذا أمر لا بد أن نضعه نصب أعيننا، ونحن نشارك فى هذا الاحتفال المزدوج فى القاهرة المبدعة، ووسط ما تبقّى من مبدعين عرب تقاطروا على القاهرة ليشاركوا فى مناسبة تلوح منذ الآن استثنائيتها على غير صعيد، بل على ملايين الصعد لمن يحب أن يتذكر دائمًا أن لا شىء يلغى الإبداع مهما تطورت التقنيات وانحطت الأفكار.. وما للدورة المقبلة لمعرض القاهرة للكتاب سوى دليل على هذا. ولا نعتقد أن فى تأكيدنا ذلك منذ الآن بديهية لا تحتاج إلى مجازفة أو مراهنة، من أى نوع كان.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا