يخيّل إلىّ أن الإنسان حين صنع أول أداة لم يكن يتوقع أن هذه الأداة ستعود بعد آلاف السنين لتطالبه بنصيب من وعيه، لأن العلاقة التى نشأت بينه وبين الأشياء كانت تبدو فى بدايتها بسيطة إلى حد السذاجة، إذ تخيّل أنها مجرد ممتدات ليده وقوته وحاجته، ثم استيقظ بعد رحلة طويلة ليكتشف أن الأشياء لم تعد تكتفى بأن تكون أدواته، وإنما أصبحت أطرافا إضافية لعقله ذاته، بحيث أصبح العالم المادى المحيط بنا مشغولا بتوجيهنا بينما نظن أننا نحن من نوجهه.ويظهر هذا التحول واضحا حين ننظر إلى الهاتف الذى نحمله معنا فى كل خطوة، لأننا نتصور أننا نتحكم به بينما يقوم هو بإعادة صياغة علاقتنا بالزمن، فيصل بيننا وبين الآخرين بسرعة لا تناسب طاقة المشاعر التى نحملها، ويقيس نبضات قلوبنا، ويحدد ملامح يومنا، ويخلق وهما بأن العالم متاح بكامل تفاصيله أمام شاشة صغيرة، فيتحول من أداة إلى لحظة ذهنية نعيش داخلها، وتصبح كل صورة نتلقاها عبره جزءا من نبرة وعينا، ويغدو مجرد وجوده فى جيبنا كافيا لجعلنا مستعدين نفسيًا لأى شىء حتى قبل حدوثه.ويبدو الأمر أعمق حين نفكر فى الأشياء التى لا نلتفت إليها عادة، مثل الطاولة التى نجلس إليها، والكرسى الذى يتشكل حول أجسادنا بطريقة تجبرنا على هيئة معينة، والمدينة التى نصحو فيها، والمقهى الذى نختاره دون إدراك أن تصميمه يوجه طريقة تفكيرنا، إذ يمكن للأثاث أن يوسع دائرة الحوار أو يضيقها، ويمكن للنافذة أن تمنحنا خيالا مختلفا عن ذلك الذى تمنحه الجدران المغلقة، ويمكن للإنارة أن تجعلنا أكثر عقلانية أو أكثر ميلا إلى التأمل، فتدخل الأشياء إلى عمق وعينا من خلال تأثيرها فى الجسد، ثم تخرج من الجسد نحو الذهن باعتبارها إحدى القوى الصامتة التى تشكّل طريقة رؤيتنا للأحداث.وقد صار الإنسان يعيش اليوم فى مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها عصر التفاوض بين الوعى وما حوله من كيانات مادية، لأن كل شىء من حوله يسعى إلى احتلال مساحة من تفكيره، ويطالب بنصيب من علاقته بالزمن، ويعيد تركيب مشاعره وفق سياقات غير مرئية، حتى إن غرفة النوم مثلا تخلق عقلا مختلفا تماما عن العقل الذى يتشكل فى الشارع، والشارع يخلق وعيا مغايرا عن ذلك الذى يولد فى المكتب، والمكتب يؤسس بنية فكرية لا تشبه تلك التى تنمو فى المقاهى، وكأن العالم المادى يوزع علينا عقولًا متعددة نرتديها كما نرتدى الملابس، فيصبح الإنسان واحدا بقدر ما هو متعدد.• • •يمتد تأثير الأشياء إلى ما هو أعمق من المزاج، ليصل إلى مستوى الخيارات الوجودية الكبرى، حيث يكتشف الإنسان أنه يختار نوع حياته وفق نوع الأشياء التى يعيش معها، إذ يمكن لبيت صغير مزدحم بالأغراض أن ينتج شعورا بالثقل يجعل قرارات صاحبه أكثر حذرا، ويمكن لهاتف سريع الإيقاع أن يجعل صاحبه أكثر ميلا إلى الاستعجال، ويمكن لمدينة مزدحمة أن تترك داخل النفوس قلقا غير قابل للتفسير، فى حين يمكن لمكتبة بسيطة أن تزرع داخل صاحبها قدرة على التريث والتأمل، فتبدو الأشياء وكأنها قادرة على صناعة طبقات نفسية كاملة يسير الإنسان فوقها دون أن ينتبه إلى أنها تشكلت بفعل المواد المحيطة به.ويتأكد أثر الأشياء والمكان حين نلاحظ التفاوت الكبير فى طريقة تعبير الصحفى أو الكاتب أو الباحث بين لحظة يتحدث فيها مع صديق مقرّب فى جلسة صغيرة هادئة داخل مقهى يعرف رائحته وتفاصيل طاولته وانعكاس الضوء على زجاجه، وبين لحظة يُستضاف فيها فى وسيلة إعلامية ضخمة تحيطه فيها الكاميرات والأضواء والميكروفونات وأسلاك الكهرباء التى تذكره بأن كل كلمة يقولها ستكون محسوبة عليه، فيرتفع صوته بطريقة لا تليق به عادة، ويتحرك جسده كما لو أن المكان يفرض عليه إيقاعا مختلفا، ثم يعود هذا الشخص نفسه إلى مكتبه الهادئ حيث نافذة واحدة وكرسى ينسجم مع جسده وورقة يكتب فوقها دون استعجال، فيتحول فكره فجأة إلى مساحة أكثر صفاء، وتخرج جمل لا يمكن أن يقولها فى التلفاز ولا حتى فى المقهى، كأن الإنسان يمتلك أكثر من نفس واحدة تتشكل كلها وفق المكان الذى يقف فيه. وهنا يظهر أن المثقف المحنك لا يُقاس بكمية المعلومات التى يحملها بقدر ما يُقاس بقدرته على إدراك كيف يتدخل المكان فى صياغة صوته، وأن قوة الفكر لا تظهر فقط فى شجاعة المضمون وإنما فى مهارة اختيار السياق الذى يظهر فيه هذا المضمون، لأن من يفهم أثر المكان يفهم حدود ذاته، ومن يدرك أن كلامه يتغير بين المقهى والورقة والاستوديو يدرك كذلك أن الحقيقة التى يحملها تحتاج إلى فضاء يناسبها حتى تصل صافية، وأن الوعى الذى يريده للعالم لا يمكن أن يولد كاملا إلا حين يعرف كيف يضع نفسه فى المكان الذى يسمح لصوته بأن يكون صوته الحقيقى، لا صدى لما تمليه عليه الأشياء المحيطة به.• • •قد يكون السؤال الأكثر إثارة هنا هو ذلك الذى يتحدث عن حدود استقلالنا: هل لا يزال الإنسان يمتلك وعيه الخالص أم أن وعيه أصبح خليطا من تأثيراته الخاصة وتأثيرات الأشياء التى ترافقه؟ وهل يمكن للمرء أن يفكر فى فكرة نقية دون أن يتدخل فيها كرسيه ومكتبه وهاتفه ونافذته والمكان الذى يجلس فيه؟ لأن كل هذه العناصر تدخل فى صناعة الفكرة قبل أن تنضج، وتؤدى دورا يشبه عمل الإضاءة فى المسرح، إذ لا يمكن للممثل أن يؤدى المشهد ذاته تحت ضوء مختلف دون أن يتغير أداؤه.ويبدو أن العالم المعاصر يدفعنا نحو شكل جديد من الفلسفة، فلسفة تدرس الأشياء كما لو كانت كائنات لها إرادة، حتى وإن كانت إرادة صامتة، لأن الأشياء لم تعد تكتفى بأن تحمل آثارنا، وإنما أصبحت تترك آثارها فينا، ومن هنا تظهر الحاجة إلى علاقة أكثر وعيا بين الإنسان وما ينتجه، علاقة لا يشعر فيها بأن الأشياء امتداد لسلطته، وإنما يدرك أنها شريكة فى إنتاج إيقاع حياته، وأن فهم ذاته لا يكتمل دون فهم ما يحيط به من أدوات ومساحات وأجهزة، لأن هذه الأشياء تشاركه التفكير فى اللحظة نفسها التى يظن أنه يفكر فيها وحده.وقد نصل فى نهاية هذا التأمل الطويل إلى فكرة تبدو غريبة فى ظاهرها، غير أنها تحمل منطقًا عميقًا: الأشياء ليست مجرد خلفية لحياتنا، وإنما هى نص جانبى يكتب نفسه.
مقالات اليوم حسن المستكاوي DNA الكرة المصرية! محمد المنشاوي ترامب.. إمبراطور أمريكا الأول محمد بصل الفاشية الدولية كامتحان للإنسان إبراهيم العريس كبيرا السينما والرواية العربيان فى معرض الكتاب القاهرى من الصحافة الإسرائيلية إسرائيل لم تكن دولة ديمقراطية ليبرالية قط مواقع عربية جرينلاند.. حين يصير أى وطن «قابلا للشراء»
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك