x قد يعجبك أيضا

الفاشية الدولية كامتحان للإنسان

الخميس 15 يناير 2026 - 7:30 م


يأبى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته وحلفاؤه في تيار "الفاشية الدولية" إلّأ أن يذكّرونا يوميًا بخصائص عالم جديد يحاولون ترسيمه. فبالتزامن مع التهديد المتصاعد لإيران والإصرار المعلن على ضم جرينلاند، أصدرت الخارجية الأمريكية قرارًا بتجميد تأشيرات الهجرة لشعوب 75 دولة منها مصر. خطوة تبدو متوقعة ومفهومة على خلفية الخطاب الترامبي المتشدد إزاء المهاجرين والادعاء المستمر بتسببهم في أزمات اقتصادية وأمنية كبرى.

طبيعي أن الملايين سوف يتضررون من آثار القرار المباشرة وتبعاته: العائلات المخططة للهجرة، أو تلك التي شرعت في ذلك ببقاء أحد أو بعض أفرادها في الولايات المتحدة، والمواطنون من الدول الفقيرة ومناطق النزاع والمعرضون للاضطهاد بأشكاله كافة، بالإضافة إلى أصحاب التأشيرات الحديثة بعد إعلان إلغاء 100 ألف تأشيرة العام الماضي بزيادة 60% على التأشيرات الملغاة في عام 2024.

هذا كله يمثل خروجًا غير مسبوق على إرث الدولة الأقوى في العالم. الحلم الأمريكي المزعوم القائم في جوهره على إتاحة الفرصة للجميع وفق قدراتهم واستحقاق الجميع للحياة والحرية، تحول إلى كابوس، وغدت رمزيته الإيجابية لصيقة بالخوف والقلق وانعدام المساواة والتهديدات الدائمة على أسس قمعية بعد استدعاء أدوات البطش المنسية من الدولاب القانوني كما حدث مثلًا مع الناشط ذي الأصول الفلسطينية محمود خليل، ولا يقتصر الأمر كما يزعم البعض على عصابات المخدرات والعنف والمهاجرين بطرق غير قانونية.

لكن ما يستحق التوقف أكثر هو لهجة البيان الصادر افتراضًا من "مؤسسة دبلوماسية" لها تاريخها وتقاليدها، وطالما وُصفت بأنها من الأكثر كفاءة بين نظيراتها عالميًا.

فالعبارات التي استخدُمت مثل "نعمل على ضمان عدم استغلال كرم الشعب الأمريكي بعد الآن" و"سنضمن عدم استغلال المهاجرين الجدد لثرواتنا" تنتمي تمامًا إلى عالم اللجان الإلكترونية المطاردة للمهاجرين والأجانب في كل مكان. حيث تناست الخارجية الأمريكية أنها جزء من دولة تتمتع بالسلطات الكافية تنفيذيًا وقضائيًا للرقابة على أي تجاوزات والتصدي لها، وانتقلت إلى مصاف مشجعي الدرجة الثالثة لتيار "الفاشية الدولية" الذين يتبنون خطاب الكراهية نحو الأجانب، وبما يتجاوز حدود الاتهامات الجزافية إلى التحريض المباشر على كل المختلفين والمخالفين.

هنا يتعلق الأمر بما هو أبعد من "تنظيم" الهجرة أو اللجوء كما يتصور البعض. فما يحدث ليس "تنظيمًا" ولا "حوكمة" بل إرهاصات تحريض علني تردده أعلى جهات الدولة الفيدرالية، وبعشوائية مقصودة تمامًا.

والتحريض الرسمي هنا لا يتعلق فقط بالتبعات المباشرة المحتملة كتنفيذ اعتداءات على الأجانب أو الملونين "المستغلين لثروات الشعب الأمريكي" وإنما يسهم أيضًا في توفير غطاء من المنطق والشرعية المزعومة لحالات الاعتداء المحتملة، سواء وقعت من مواطنين عاديين أو من قوات إنفاذ القانون كما حدث مؤخرًا في واقعة قتل المواطنة الأمريكية رينيه نيكول جود بدم بارد على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك ICE خلال عملية كانت تستهدف مهاجرين في مينيابوليس.

والمرعب في عالم القطب الواحد الذي يزيد تغولًا وبطشًا من دون مقاومة، أن سياسات "الفاشية الدولية" ستصبح "موضة" وستجد التيارات اليمينية المتطرفة قوميًا وعرقيًا في قرارات ترامب وإجراءاته سندًا فكريًا ودعمًا سياسيًا ودعائيًا لنشر خطاب الكراهية، وستوجّه جهودها بالضرورة نحو المجتمعات الأضعف داخل حدود كل دولة، وكذلك مناطق النزاعات الطويلة حول العالم لا سيما الأكثر تصديرًا للاجئين والمهاجرين، وبطبيعة الحال في الدول التي انفتحت على استضافتهم في أوروبا، ليصبح عشرات الملايين من السوريين والسودانيين والأوكران والأكراد والأفغان والصوماليين في مرمى الخطر.

ولن تكتفي السياسات السلطوية بذلك وهي تحظى بالدعم الترامبي، فسوف تتقدم لقمع المعارضين والمخالفين، ثم بسط سيطرتها الكاملة على كل موقع يشهد نشاطًا لعناصر الاستبداد والتطرف، وبخاصة إذا تلاقت بالثروة والإنفاق الكثيف والقدرة على البطش العابر للحدود. لتكون النتيجة مزيدًا من وقائع تخريب المجتمعات وتفكيكها، والاستخدام المتكرر لآلة الإبادة الجماعية وحروب الميليشيات بحق شعوب فقيرة وغير قادرة على الصمود الذاتي.

نجاح ترامب في تنفيذ ما يعنّ له من بنود أجندته القديمة، يبدو نموذجًا لامعًا، يُغري أصحاب المشروعات الصهيونية والنازية ومثيلاتها على اختلاف المستوى والنطاق، ويرسخ واقع الإفلات من العقاب وازدراء الأطر القانونية، الدولية منها والمحلية. وهذه أصعب محاور الامتحان العسير الذي تضعه "الفاشية الدولية" أمام إنسان القرن الحادي والعشرين وسط ما يحيق به من جنون إجرامي: أن يحافظ على إنسانيته أولًا.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة