أُعطيَت التنبؤات للحمقى، لا سيما تلك التى تتعلق بسقوط الأنظمة. فمن انهيار جدار برلين، مرورًا بسقوط نظام مبارك فى مصر، وصولًا إلى الرحيل السريع للأسد من دمشق تحت جنح الظلام، يبدو كأن أكثر العلوم افتقارًا إلى الدقة هو ذاك الذى يحاول التنبؤ بسقوط الحكام. ومع ذلك، فإن هذه الصعوبة لا تبرر الشلل الفكرى فى هذا الشأن: ما يجرى فى هذه الأيام فى إيران لم نشهده من ذى قبل، ولم يُعرف له مثيل طوال عقود من نظام آيات الله، بدءًا من كسر حاجز الخوف، مرورًا باتساع رقعة الاضطرابات، وصولًا إلى تصاعُد الضغط الخارجى، هذا كله يدلّ على أنها أول مرة تشهد فيها المنظومة الإيرانية اضطرابات فى توازُن مراكز القوة التقليدية التى حافظت على استقرار النظام فى مواجهة رياح الزمن واحتجاجات الماضى.
يشير نشوء مثلث مجازى يطبَّق على النظام فى إيران إلى عمق الأزمة؛ الضلع الأول يتمثل فى حجم الاحتجاجات وعمقها– من الفئات التى كانت، تقليديًا، موالية للنظام (الطلاب، التجار)، وصولًا إلى انتشارها الجغرافى فى أنحاء إيران الشاسعة؛ الضلع الثانى يكمن فى عجز النظام عن مواجهة الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة، والتى بلغت ذروتها فى التراجع الجديد الحاد فى قيمة الريال، نتيجة العقوبات الثانوية الأوروبية، بسبب مواصلة تطوير البرنامج النووى العسكرى. إن التآكل الحاد فى القدرة الشرائية للإيرانيين هو نتيجة مباشرة لسوء إدارة المخاطر الناجم عن تصورات قديمة (ما كان سيكون) والاعتقاد أنه يمكن الالتفاف على العقوبات بأيّ وسيلة، مثلما كانت الحال عليه قبل عقود. وهذه إحدى الإشكاليات الجوهرية للديكتاتورية: صعوبة التغيير والتكيف مع الواقع؛ أمّا الضلع الثالث، وهو لا يقلّ أهميةً، فيتعلق بتهديد عسكرى خارجى موثوق به لاستقرار النظام، ولا سيما الرسالة الأمريكية الواضحة بشأن استهداف مراكز القوة، إذا ما استُخدم العنف المفرط فترة طويلة ضد الجمهور المحتج. ويقف فى خلفية هذا المثلث أيضًا الصراع على خلافة المرشد الأعلى المتقدم فى السن والمتشدد، الخامنئى، الأمر الذى يثير اضطرابًا حتى داخل الأوساط الأكثر محافَظة.إن البنية اللا مركزية والفريدة للمؤسسة الحاكمة فى إيران، بتلاوينها ومؤسساتها المتعددة، تشكل خطرًا وفرصة للمحتجين فى آنٍ معًا. صحيح أن طهران من الأسفل تحولت إلى محرك، وربما أيضًا إلى المؤثر الأهم فى الواقع فى إيران، لكن حتى لو اهتز النظام، فهناك سيناريوهات أقلّ تفاؤلًا لا تزال ممكنة، وعلى رأسها سيطرة الحرس الثورى على الحكم، عبر فرض نوع من الحكم العسكرى، بما يضمن تعميق قبضة التيار الدينى المحافظ فى قيادة الجمهورية الإسلامية. وبناءً عليه، فإن القدرة على التنبؤ بعمق التحول غير ممكنة فى هذه المرحلة، لكنها من دون شك، تولّد جبلًا من التوقعات لدى أعداء آيات الله.إن الفرصة التاريخية التى تلوح أيضًا أمام الرئيس ترامب فى إسقاط أحد أخطر الأنظمة فى العالم ربما تتحول إلى حجر الزاوية فى إرثه، وإلى ذروة ولايته فى مجال السياسة الخارجية. ويبدو كأن رغبة الرئيس فى الاصطفاف إلى جانب المنتصرين يمكن أن تدفعه هنا أيضًا إلى استخدام القوة الأمريكية، بهدف تسريع انهيار النظام. لكن حتى فى هذه الحالة، لا يمكن ضمان تحقيق النتيجة المرجوّة، أو ألّا تشتعل النيران، بما فى ذلك فى اتجاه إسرائيل - فى إطار استعداد النظام للموت مع "الكفار". وبناءً على ذلك، ربما تؤدى الأزمة الداخلية فى إيران إلى تسريع الاضطرابات العالمية وتؤجج مزيدًا من الفوضى. ويمكن أن يكون هذا ثمن التحول الإقليمى الأهم الذى يمكن تصوُّره فى هذه المرحلة، إلّا أنه قد يضمن أيضًا تغييرًا جوهريًا فى ملامح الشرق الأوسط لأعوام طويلة مقبلة.
آفى كالو يديعوت أحرونوتمؤسسة الدراسات الفلسطينية
مقالات اليوم حسن المستكاوي سلوت وصلاح.. أفكار وسياسات محمد بصل المسار الثالث ضد الفاشية الدولية خالد محمود الأهمية الفنية والسياسية لترشيح «صوت هند رجب» للأوسكار وفرص التتويج إبراهيم العريس يوسف شاهين فى نشاطات معرض الكتاب.. الإبداع الواحد والمعركة الواحدة عماد عبداللطيف كرة القدم والبحث عن جمهور رشيد صحافة عربية إدمان التسوق عند النساء من الصحافة الإسرائيلية ترامب أثبت أنه جيّد لليهود.. لكن هناك تغييرًا مؤسفًا مواقع عربية المعضلة الكردية.. هوية عابرة للخرائط ومشروع يبحث عن اكتماله قضايا فلسطينية مجلس سلام ترامب.. النظام العالمى الجديد
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك