لا يحتاج المخرج بول توماس أندرسون إلى تفاصيل كثيرة ليعلن عن قدر مشروعه السينمائى.
عنوان مثل «معركة تلو الأخرى» One Battle After Another يكفى ليضعنا مباشرة داخل عالم لا يؤمن بالحسم، ولا يعترف بنهاية للصراع. إنه عنوان يشبه بيانًا فلسفيًا أكثر منه اسم فيلم، ويختصر جوهر سينما مخرج طالما رأى الإنسان محكوما بمعارك تتكرر بأقنعة مختلفة.فى هذا الفيلم، المتوج بأربع جوائز جولدن جلوب أفضل فيلم وإخراج وسيناريو وممثلة مساعدة ويجمع أندرسون لأول مرة بليوناردو دى كابريو، لا يبدو الرهان على الحكاية بقدر ما هو على الفكرة: عالم يخرج من صراع ليدخل فى آخر، دون أن يملك رفاهية التوقف أو التأمل.فى أفلام أندرسون، الصراع ليس ذروة درامية تُحل فى النهاية، بل حالة وجودية. من افلام مثل «ستسيل الدماء» There Will Be Blood إلى The Master، لم تكن المعركة يومًا حول صراع النفط أو السلطة أو حتى الإيمان فقط، بل حول الفراغ الذى تتركه هذه القوى داخل الإنسان. الشخصيات لا تنتصر، لكنها تتعلم كيف تعيش وسط الخسارة.هنا، يكتسب عنوان الفيلم دلالاته الأعمق: «معركة تلو الأخرى» ليست تسلسل أحداث، بل نمط حياة، وكأن أندرسون يقول إن الإنسان المعاصر لم يعد يعرف ذاته إلا من خلال ما يقاتله.اختيار ليوناردو دى كابريو يبدو منسجمًا تمامًا مع هذا العالم. فهو ليس مجرد نجم شباك، بل ممثل اعتاد تجسيد شخصيات محاصرة بالتناقض: رجال يملكون السلطة لكنهم عاجزون عن السيطرة على أنفسهم، أبطال ظاهرين يخفى نجاحهم هشاشة داخلية.فى سينما أندرسون، هذه الهشاشة لا تستخدم لاستدرار التعاطف، بل لكشف الزيف. يقدم دى كابريو شخصية بعيدة عن البطولة التقليدية، أقرب إلى نموذج الإنسان الذى يخوض معاركه لأنه لا يعرف بديلا آخر.الماضى هو مقدمة لحياة بوب فيرجسون (دى كابريو)، الثورى السابق الذى أمضى السنوات الست عشرة الماضية يُخدرعقله المصاب بجنون العظمة، بالمخدرات والكحول. يتألق دى كابريو فى الكوميديا ليقدم لمسته الخاصة على شخصية المدمن عندما يعجز عقله المُشوّش عن تذكر رمز قد ينقذ حياته.فالفيلم يعود بنا إلى الوراء ليُظهر لنا بوب، ذلك المتمرد الذى كان يلقى القنابل، كعضو فى جماعة «فرينش 75» الإرهابية، التى كانت تسعى جاهدة لتحرير المهاجرين من مراكز الاحتجاز على الحدود الأمريكية المكسيكية. ومنذ ذلك الحين، اختفى بوب عن الأنظار لحماية ابنته المراهقة، ويلا، التى يؤدى دورها الممثلة الصاعدة تشيس إنفينيتى بموهبة فذة تُؤهلها لتكون نجمة حقيقية. أيضا كان أداء تينا تايلور مبهرا فى دور بيرفيديا بيفرلى هيلز، زعيمة «فرينش 75» وزوجة بوب ووالدة ويلا. هى الآن رهن الاحتجاز، تاركة ويلا وبوب فى مواجهة عدو لا يرحم. إنه العقيد ستيفن جيه لوكجو ذلك الضابط الصارم ذو، الذى أضفى عليه شون بن، الممثل الرائع طابعًا من التعصب المرعب والمضحك. تأتى دعوة بيرفيديا لتحرير السود لتثير قلق الكولونيل وتجذبه فى آنٍ واحد، فيُجبرها على الخضوع له جنسيًا، الأمر الذى يُشكك فى نسب ويلا. منذ متى وهذا يحدث؟ فى هذه الأثناء، يُناضل الكولونيل للانضمام إلى جمعية سرية تُؤمن بتفوق العرق الأبيض، تُطلق عليها بشكلٍ مُثير للسخرية اسم «مغامرو عيد الميلاد».يُقدم كل فرد من طاقم التمثيل أداءً متميزًا، بما فى ذلك بينيشيو ديل تورو، الذى يُجسد ببراعة شخصية سيرجيو سانت كارلوس، مُعلّم فنون الدفاع عن النفس الذى يستخدم عمله كغطاء لتهريب المهاجرين، وريجينا هول فى دور دياندرا، وهى خريجة برنامج «فرينش 75» الهاربة، والمستعدة لمساعدة ويلا مهما كلف الأمر.لم يُحدث بول توماس أندرسون ثورة فى عالم السينما بفيلمه «معركة تلو الأخرى»، لكنه بالتأكيد انعشها بفيلمٍ ينبض بالحيوية والجرأة لما يقارب ثلاث ساعات. يُعد هذا إنجازا رائعًا لفيلم ملحمى تدور أحداثه فى واقعٍ مألوفٍ: ناخبين منقسمين، وعنصرية متفشية، وعيادات إجهاض مغلقة، وجرائم كراهية ضد المهاجرين تتفاقم على يد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الملثمين. إنه تحدٍّ كبير فى هوليوود الغارقة فى مستنقع السينما التجارية؛ حيث تُنتج باستمرار أجزاءً ثانية وسابقة لأفلام رائجة تسويقيا.يُوقظ بول توماس أندرسون، المُلقب بأفضل مُخرج جرىء فى جيله، لحظة مهمة فى السينما الأمريكية، مُفجّرا كل مشهد فى هذه الانطلاقة الجريئة من الحركة والمرح والحماس، كقنبلة حارقة مُخبأة على وشك الانفجار.رغم أن عنوان الفيلم يحمل نبرة سياسية واضحة، فإن أندرسون لا ينتمى إلى سينما الشعارات. السياسة عنده تُروى عبر العلاقات، لا الخطب. السلطة ليست نظامًا مجردًا، بل علاقة نفسية: بين القائد وأتباعه، بين المال والضمير، بين الإيمان والرغبة فى السيطرة.بهذا المعنى، يبدو «معركة تلو الأخرى» تعليقًا غير مباشر على عالم اليوم، حيث تتوالد الصراعات دون أفق، وتتحول المعركة إلى حالة دائمة، لا استثناء طارئ. فيلم عن زمن فقد القدرة على إعلان النصر، لكنه لم يفقد شغفه بالقتال.أندرسون لا يمنح شخصياته خلاصا واضحا، ولا يقدم نهايات مريحة.. كل معركة تترك أثرا، وكل انتصار مؤقت يفتح بابا لهزيمة جديدة، هذا ما يجعل أفلامه أقرب إلى مرايا قاسية للواقع، لا دروسا أخلاقية جاهزة.فى هذا السياق، يصبح الفيلم أكثر من مجرد عمل سينمائى، إنه محاولة لفهم لماذا نعيش داخل دوامة الصراع، ولماذا يبدو التوقف مستحيلا؟.. يصر أندرسون على طرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات.هو اختبار جديد لقدرة السينما على التفكير، لا الترفيه فقط، وعلى مساءلة فكرة «المعركة» نفسها: هل هى ضرورة؟ أم عادة؟ أم فخ لا نعرف كيف نخرج منه؟الفيلم هنا اعتراف دائم باستمرارية الصراع.. عن عالم لا يتوقف عن القتال، وعن إنسان يعرّف نفسه من خلال معاركه، حتى لو لم يعد يعرف لماذا بدأها.فى سينما بول توماس أندرسون، المعركة لا تنتهى.. فقط تتغير ساحة القتال.
مقالات اليوم حسن المستكاوي DNA الكرة المصرية! محمد المنشاوي ترامب.. إمبراطور أمريكا الأول محمد بصل الفاشية الدولية كامتحان للإنسان إبراهيم العريس كبيرا السينما والرواية العربيان فى معرض الكتاب القاهرى صحافة عربية «ذكاء المكان».. كيف تتدخل الأشياء فى صياغة أصواتنا؟ من الصحافة الإسرائيلية إسرائيل لم تكن دولة ديمقراطية ليبرالية قط مواقع عربية جرينلاند.. حين يصير أى وطن «قابلا للشراء»
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك