(1)
برغم مرور قرن كامل على صدور هذا الكتاب، وما صحبه وتبعه من أصداء وأحداث، ما زال صداها يتردد حتى اللحظة؛ فإنه سيظل علامةً فارقة فى تاريخ الدراسات الأدبية والنقدية والمنهجية، فضلًا عن اعتبار صدوره حدا فاصلًا بين مرحلتين وتصورين كاملين لمفهوم «البحث» عمومًا، و«البحث الأدبى» خصوصًا، و«دراسة الشعر الجاهلى» بالأخص.
ولاعتباراتٍ عديدة، منها اتصال التخصص العام والدقيق لكاتب هذه السطور بهذه النوعية من الكتب التأسيسية والإشكالية فى تاريخ الفكر والثقافة المصرية عمومًا، والدراسات الإنسانية والأدبية، ومنها «المعايشة الكاملة» على مدى عقود طويلة متصلة لنصوص وأفكار العميد الدكتور طه حسين، قراءةً وتحليلا وتفسيرًا ونقدًا، ومنها إنجاز العديد من الدراسات والبحوث والمقالات حوله وعنه؛ أقول: لهذه الاعتبارات وغيرها، فقد توفرت لى مساحات عريضة من قراءة الكتاب مرات ومرات، وقراءة ما كُتب عنه أو حوله، نقدًا ونقضًا، استلهامًا وتجاوزًا، أو حتى تلك التى أساءت القراءة، وتعسفت فى التأويل، واقتطعت فقرات منه، وبنَت سيناريوهات كاملة ووهمية مما ردده خصوم طه حسين وكارهوه فى حياته وبعد مماته وحتى اللحظة! كل هذه الاعتبارات أتاحت لى، فى النهاية، أن أعرض ما أتصور أنه يتصل بقيمة الكتاب الكبرى والحقيقية والباقية، بعيدًا عن أى تعسف فى التأويل أو تطرف فى الحكم، منبعه الخصومة الأيديولوجية أو تغليب العاطفى والانفعالى على العقلانى لدى تيارات متباينة ومتناقضة أيضًا!
وما زلت أندهش وأتعجب ممن لم يقرأوا الكتاب (سواء فى صورته الأولى التى صدرت سنة 1926 بعنوان «فى الشعر الجاهلى»، أو فى صورته المعدلة التى صدرت فى عام 1927 بعنوان «فى الأدب الجاهلى» بعد حذف الفقرات التى أثارت ثائرة المحتجين، وإضافة فصول أصبحت مقدمات تأسيسية لا غنى عنها للدارسين والباحثين فى تاريخ الأدب أو الدراسة الأدبية أو النقد الأدبى).. أو قرأوه ولم يستوعبوا فكرته الرئيسية وإشكاله المركزى، ثم يرددون بكل بساطة ويقين أن هذا الكتاب أضعف ما كتب طه حسين فى حياته، أو أنه نقل فكرته الرئيسية عن المستشرقين، أو بالتحديد المستشرق الإنجليزى مرجليوث، وهى الفرية والادعاء اللذان لطالما رددهما خصوم طه حسين، وهم معروفون منذ بدأ صدامه مبكرًا مع تيار التقليد والجمود فى الأزهر، وحتى رحيله وما بعد رحيله بعقود!
(2)
قيمة الكتاب الكبرى، فى ظنى، وبعيدًا عن وفرة التأويلات التى اتخذت منه ساحة صراع سياسى ودينى فى ظل ظروف سياسية قائمة فى مصر آنذاك (نهاية الربع الأول من القرن العشرين)، أنه وصل مشروع طه حسين المنهجى "البحثى» بعضه ببعض، منذ قدم أطروحته للجامعة المصرية حول «ذكرى أبى العلاء»، مرورًا بمقالاته الباذخة التى جمعها فى «حديث الأربعاء» (الجزءان الأولان تحديدًا)، وقد صدرا قبل «فى الشعر الجاهلى» بحوالى العام، ثم اتخذ هذا الانشغال المنهجى والبحثى صورته النهائية فى كتابه «فى الشعر الجاهلى»..
القصة لم تكن، بالأساس، طرح مبدأ الشك للشك أو إثبات نظرية الانتحال فى ذاتها، إنما كان التكريس لفكرة «المنهج» أو «طريقة البحث»، وتأصيل هذه الفكرة فى تربة البحث والدراسات الأدبية والإنسانية فى الثقافة العربية.
لم يكن ذلك معروفًا ولا مألوفًا فى الدوائر المعنية بالأدب ودراسته؛ كانوا يجترون طرائق وأساليب القدماء القائمة على الحفظ والتلقين والاجترار، ونقل ما قاله الأقدمون دون ممارسة أى حق فى التفكير وطرح الأسئلة أو وضع الافتراضات المنهجية، والسعى لإثباتها (أو نفيها) بحسب ما تقود مسارات البحث المعتمدة على جمع المادة وفحصها، والمقارنة بينها، والتأكد من نسبتها إلى أصحابها، ثم دراسة السياق التاريخى والاجتماعى والسياسى المتصل بالظاهرة موضوع الدراسة، ثم الانتقال إلى مستوى تحليل النصوص فى ضوء ما تكشفت عنه هذه الاستقصاءات الدقيقة.
هذا، باختصار، ما فعله طه حسين فى كتابه، وقبله فى «ذكرى أبى العلاء»، وفى «حديث الأربعاء»، وبعد ذلك فى كتابه عن «المتنبى»، وفى «حديث الشعر والنثر»، وفى كتبه الأخرى التى طبق فيها أدبيات المنهج التاريخى، الذى صار بفضل طه حسين أول هذه المناهج وأوسعها انتشارًا فى الجامعة المصرية، وفى كليات الآداب وأقسام اللغات بها.
(3)
وأقول: لولا كتاب «فى الشعر الجاهلى»، والمدرسة البحثية الرائدة التى أسسها طه حسين بجسارته ودأبه وقدراته العقلية الفائقة والتحليلية الفذة، ما كان تلميذه شوقى ضيف أنجز موسوعته الكبرى التى يصل عدد أجزائها إلى عشرة مجلدات ضخمة حول «تاريخ الأدب العربى»، خصص المجلد الأول منها لـ«العصر الجاهلى»، استكمل فيه مسار أستاذه مطبقًا منهجيته «التاريخية»، ومالئًا الفراغات التى تركها، وناقدًا بعض الأفكار والتصورات؛ ليصل فى النهاية إلى وضع مرجعه الكبير الضخم هذا منذ صدوره فى أواسط القرن الماضى وحتى الآن.
ولولا «فى الشعر الجاهلى» ما كتب تلميذ تلميذه ناصر الدين الأسد أطروحته المدهشة الأصيلة حول «مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية»، وتصدر فى كتاب سنة 1956 بتزكية من طه حسين نفسه! هكذا تكون قيمة الكتب الكبرى المؤسسة التى تفتح الباب وتطرح الأسئلة وتمهد الطريق.