اللاجئون فى مصر.. المنظور الإنسانى والمنظور السياسى
السبت 9 مايو 2026 - 6:50 م
مناسبة هذا المقال هى النقاشات بشأن الأعباء التى يفرضها اللاجئون على الدولة فى وقت تعانى فيه من ضائقة اقتصادية، وحملات الكراهية التى يتعرضون لها بين حين وآخر، خصوصا فى وسائط التواصل الاجتماعى. هذه النقاشات والحملات لا تميز بين المهاجرين واللاجئين. يعنى هذا المقال تحديدا باللاجئين وملتمسى اللجوء الموجودين فى الوقت الحالى فى مصر. وهو لا يتصدّى لمجمل اللاجئين والمهاجرين الذين تقدر الدولة عددهم بما يفوق التسعة ملايين.
• • •
المهاجرون يذهبون إلى البلد الذى يقصدونه طوعيا، وهم يعدّون العدة لهجرتهم. والمهاجرون يعملون فى البلد الذى يهاجرون إليه، وهم عموما لا يحتاجون إلى مساعدة أو إنفاق عام لتلبية احتياجاتهم. وفى تقدير لدارس عتيد للسكان والهجرة، فإن فى مصر ستمائة ألف مقيم سعودى. والتعريف الإحصائى الدولى للمهاجر هو الفرد الذى يقيم فى بلد غير بلد مولده اثنى عشر شهرا على الأقل. ويمكن الاطمئنان إلى أن للمواطنين السعوديين المقيمين فى مصر مواردهم الخاصة التى يلبون احتياجاتهم بها. والمهاجرون يعملون أو يستثمرون، ومن عوائد أعمالهم واستثماراتهم يلبون احتياجاتهم ويضيفون إلى الاقتصاد الوطنى.
أما اللاجئون فهم من يفرّون من بلادهم خوفا على حياتهم وطلبا للحماية فى غيرها. ففى الاتفاقية الدولية بشأن وضع اللاجئين لسنة 1951، اللاجئ هو الشخص الذى فرّ من بلده بسبب «خوف مبرر من الاضطهاد لأسباب تتعلق بالعرق، أو الدين، أو الجنسية، أو بسبب انتمائه لمجموعة اجتماعية معينة، أو نظرا لآرائه السياسية». ووسّعت اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية بشأن اللجوء لسنة 1969 هذا التعريف ليشمل كل شخص يغادر بلده بسبب العدوان الخارجى، أو الاحتلال، أو الهيمنة الأجنبية، أو اضطراب النظام العام فى كل بلده أو فى جزء منه. وملتمس اللجوء هو الشخص الذى سجل نفسه طلبا للحماية فى البلد الذى فرّ إليه، والذى لم يجرِ التحقق بعد من صحة انطباق أسباب اللجوء المذكورة عليه.
ولدى نهاية نوفمبر سنة 2010، وقبل أقل من شهر من انطلاق العقد الممتد من الاضطرابات والثورات والنزاعات الأهلية فى المنطقة العربية، كان فى مصر 39,600 لاجئ وملتمس لجوء مسجلين فى مكتب المفوضية السامية للاجئين فى القاهرة، أغلبهم من السودانيين، يليهم العراقيون والصوماليون. وفى نوفمبر سنة 2022، وبعد اثنى عشر عاما، كان عدد اللاجئين المسجلين فى مصر قد وصل إلى 290,000، أى أكثر من سبعة أمثال ما كان عليه فى سنة 2010. وفى هذه الأعوام الاثنى عشر كانت الاحتجاجات قد بدأت فى سوريا وتطورت فصارت نزاعا أهليا مسلحا. ونتج عن النزاع السورى لجوء خمسة ملايين سورى إلى الدول المتاخمة والقريبة فى الإقليم، ثم البعيدة عنه. وصل إلى مصر منهم 140,000 مسجلين، فى ذروة تسجيلهم، بخلاف غير المسجلين منهم. واندلعت الحرب الأهلية فى السودان بعد ذلك بأقل من أربعة شهور، فى أبريل 2023، فخرج من السودان، بحثا عن الحماية فى البلدان المتاخمة، أكثر من أربعة ملايين سودانى. وصل منهم إلى مصر، حتى آخر سنة 2025، 834,000 مسجل لدى المفوضية السامية، بخلاف غير المسجلين فيها، فجعلوا العدد الكلى للاجئين وملتمسى اللجوء المسجلين يصل إلى المليون والمائة ألف، أى حوالى أربعة أمثال المسجلين فى 2022، وحوالى 28 مثلا عدد اللاجئين المسجلين فى سنة 2010. وحتى إن غضضنا الطرف عن غير المسجلين، فإن النمو الهائل فى أعداد المسجلين كافٍ للدلالة على الإشكالية التى كان على مصر أن تواجهها. وعند منتصف العقد الماضى، وعندما ازدادت تدفقات اللاجئين السوريين، خصوصا بمعدلات مرتفعة على بعض البلدان الأوروبية، اشتكت هذه البلدان، وهى بلدان متقدمة ذات بنية أساسية متطورة، من التدفقات المباغتة عليها التى لم تكن مستعدة لها. فما بالك ببلد نامٍ مثل مصر؟ أضف إلى ذلك أنه فى الفترة المذكورة لم ترتفع أعداد اللاجئين وملتمسى اللجوء وحدهم. ففى الفترة ما بين سنتى 2010 و2022، ارتفع حجم السكان فى مصر من 89 مليونا إلى 103 ملايين، أى بنسبة 16 فى المائة. والسكان الجدد احتاجوا إلى خدمات التعليم والصحة والسكن وغيرها، فى وقت تلتهم فيه خدمة الدين العام ما يقرب من نصف المصروفات العامة فى ميزانية الدولة.
• • •
هل يعنى ما تواجهه الدولة من ضغوط على مواردها أن مصر معفاة من العمل على تلبية احتياجات اللاجئين، وبذلك تأمين الحماية الفعلية لهم، التى تشمل الخدمات التعليمية والصحية التى يحتاجونها والسكن الذى يأويهم؟ الإجابة بالنفى. فقد رأت مصر أنه من مصلحتها ومن مصلحة كل من النظامين الإقليميين العربى والإفريقى، وكذلك النظام الدولى، أن توفر الحماية لمن فرّ من بلاده ويحتاجها. ورأت مصر ذلك بتصديقها على اتفاقية سنة 1951 واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية المذكورتين. فالمسألة ليست التزاما مفروضا، وإنما هى اختيار يعبِّر عن إدراك بأن طرائق عمل النظام الدولى والنظامين الإقليميين تتفق مع المصالح المصرية. وفى شهر فبراير الماضى عقد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة «الأهرام» ندوةً عن دولة الارتكاز فى أى نظام إقليمى. ودولة الارتكاز فى نظرية العلاقات الدولية هى الدولة التى يعوِّل عليها النظامان الدولى والإقليمى لتطبيق قواعدهما. وهى دولة متوسطة القوة، ولأنها كذلك فهى ليست معدومة الموارد، وهى تنفق من مواردها المادية والمعنوية لضمان تفعيل القواعد الدولية والإقليمية. والاضطلاع بهذه المسئولية يؤدى إلى اعتراف النظامين الدولى والإقليمى بالدولة المعنية، وهى فى حالتنا مصر، بدور دولة الارتكاز، وهو دور يعود على الدولة بموارد سياسية ومادية لا يستهان بها. وهذه الموارد تجنيها دولة الارتكاز فى المجال الذى تلعب فيه دورها وفى غيره من المجالات. ويشهد على ذلك اعتراف الدول الكبرى بأهمية مواقف مصر وأدوارها، وحرصها على علاقات وثيقة معها فى مختلف المجالات، ومساندتها السياسية والاقتصادية لها. وفى مجال اللجوء تحديدا، يلاحظ أن القانون الدولى للاجئين ينص على الاشتراك مع دول اللجوء فى تحمل المسئولية عن اللاجئين الموجودين فيها. ومن حق مصر، بالتالى، دعوة الدول المتقدمة القادرة إلى مشاركتها فى تحمل مسئولية اللاجئين الموجودين فى إقليمها. غير أن عليها هى أيضا أن تخصص شيئا من مواردها للاجئين لتثبت جدارتها بوضع دولة الارتكاز. وأخيرا، فإن تخفيض تكلفة اللاجئين يكون بتمكينهم من العمل ليتحملوا مسئولية أنفسهم وأسرهم بما يكسبونه، وليضيفوا به إلى الاقتصاد الوطنى، خاصة وأن بينهم من يمتلكون مهارات ويعملون فى مهن يحتاجها سوق العمل المصرية.
حديث دولة الارتكاز يصل بنا إلى المنظور السياسى لمسألة اللاجئين الذين لاذوا بمصر. ولدى نهاية ديسمبر 2025، كان 87 % من اللاجئين من السودان (76 %) وسوريا (11 %). والسودان وسوريا ليسا أى بلدين بالنسبة لمصر. فلأكثر من قرن وثلث القرن من الزمان، فيما بين سنة 1820 وسنة 1956، كانت مصر والسودان بلدا واحدا. وليس من قبيل التجاوز اعتبار أن السودانيين الذين لجأوا إلى مصر فعلوا ذلك ثقة فيها وعشما، وهم لم يروها بلدا غريبا. والأغلبية الساحقة من السودانيين اللاجئين إلى مصر أتوا من الخرطوم، وقد قطعوا 850 كيلومترا بالحافلات حتى الحدود المصرية، وزهاء ألف كيلومتر حتى مدينة أسوان. وهذا اختيار للملجأ وليس استسهالا. وهذا الاختيار ينشئ مكسبا معنويا لمصر. لذلك فالسودانيون اللاجئون فى مصر هم زاد لها، وهدف السياسة تجاههم ينبغى أن يكون تنمية هذا الزاد. وهم عائدون إلى بلدهم ولو بعد حين، وسيؤثر الكثيرون منهم فى سياساتها، ومن لم يعد منهم سيؤثر بشكل غير مباشر عبر شبكات علاقاته فى السودان. وفى الصراع حول تأمين مياه النيل، وفى التعامل مع القرن الإفريقى وبلدانه، يمثل اللاجئون السودانيون موردا لمصر.
• • •
سوريا بدورها كانت مع مصر بلدا واحدا فى نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضى. وقبل ذلك، ومنذ القرن التاسع عشر، استقبلت مصر المهاجرين من سوريا الذين انصهروا فى المجتمع المصرى وساهموا فى الاقتصاد والثقافة والفن المصريين. والمشترك بين البلدين كثير منذ قرون قبل ذلك. وليس تجاوزا، فى هذه الحالة أيضا، اعتبار أن السوريين الذين لجأوا إلى مصر جاءوها وكل ما تقدم فى أذهانهم. وقد عاد عدد معتبر من اللاجئين السوريين بالفعل إلى بلاده بعد تغير النظام السياسى فيها، وآخرون يستعدون للعودة. وهؤلاء اللاجئون العائدون سيكونون بدورهم زادا لمصر؛ لأنهم سيحملون جميل حمايتها واستضافتها لهم، فى سوريا نفسها وفى الشرق الأوسط، فى الأوقات الراهنة الصعبة التى تمر بها المنطقة.
مصر المعاصرة لم تنكفئ على نفسها قط. وهى لم تلفظ من لجأ إليها، بل اجتذبت النابغين والمجتهدين وصهرتهم فى داخلها وأشعَّت، فاكتسبت مكانة وتقديرا. وموقف مصر من حركات التحرر فى العالم العربى وإفريقيا، ومن أبطال هذه الحركات، جعلها مثلا ولو بعد عقود من الزمان. ومجمل هذه المواقف يشكل الدور الذى تتصوره مصر لنفسها. وهذا الدور الإيجابى يخدمه التوفيق بين مقتضيات حماية اللاجئين والموارد المحدودة، وتعززه المشاعر الأخوية والامتناع عن إطلاق خطابات الكراهية نحوهم.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا