لماذا يا هند؟!
الإثنين 9 مارس 2026 - 7:35 م
شاءت ظروف حياتى الدبلوماسية أن أخدم فى السفارة المصرية بنيودلهى لسنواتٍ أربع كاملة وكان ذلك فى نهاية سبعينيات القرن الماضى وبداية ثمانينياته (1979-1983) وقد تأثرت كثيرًا بعظمة الأمة الهندية والتشابه الكبير الذى يربط بعض مظاهر الحياة لدينا بمظاهر الحياة لدى الهنود، وكانت العلاقات العربية الهندية تبدو فى أفضل أوضاعها على ضوء العلاقات الوثيقة التى جمعت عبد الناصر وجواهر لال نهرو فى تأسيس حركة عدم الانحياز (1961) وكان انبهارى شديدًا بالدولة الهندية وتلك الأمة التى كرمها المفكر العربى الراحل البيرونى فيما قال عن الهند بأنها «بلد العجائب التى تكاد تكون متحفًا للزمان والمكان» فضلاً عن احتوائها للفضائل المطلوبة وأيضًا النقائص المرذولة.
أقول ذلك بمناسبة ما شهدته على شاشات التلفزة عند هبوط طائرة السيد ناريندرا مودى رئيس وزراء الهند حاليًا والاستقبال غير المسبوق الذى جرى له عند وصوله إلى مطار تل أبيب، لأننى عندما خدمت فى نيودلهى كانت لا تزال عاصمة دعم شديد للقضية الفلسطينية وكان المفكر اللبنانى كلوفيس مقصود مديرًا لمكتب الجامعة العربية هناك وكانت له حظوة كبيرة وقبول شديد لدى الساسة الهنود.
كانت المواقف الهندية حاسمة فى تأييدها للحقوق الفلسطينية والإيمان الشديد بشرعية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى، وأتذكر الآن أننى كتبت مقالاً فى مجلة السياسة الدولية ألمحت فيه إلى احتمال تحول مرتقب لمواقف الهند تجاه الصراع العربى الإسرائيلى.
كانت قراءتى صادرة عن متابعة دقيقة للتواصل غير المعلن بين نيودلهى وتل أبيب واحتمالات التعاون بينهما فى مجالات تصنيع السلاح وتطوير العلاقات العسكرية بين الدولة الصهيونية وجمهورية الهند التى تضم وقتها ما يزيد على مائة وخمسين مليون مسلم ينتمون إلى ثقافة ذلك البلد الكبير وتلك الأمة العظيمة، وكان ذلك فى وقتٍ ترفع فيه الهند رايات الحياد الإيجابى وعدم الانحياز وتسمى الشارع الأطول فى العاصمة والواصل بين المطار وقلب المدينة باسم الزعيم العربى الراحل عبد الناصر رفيق نهرو وصديق الهند فى ستينيات القرن الماضى.
ما زلت أتذكر أن العلاقات بين القاهرة ونيودلهى قد تدهورت بشدة بعد سياسات كامب ديفيد 1978 التى تبناها الرئيس المصرى الراحل أنور السادات ووفدت حينها رياح باردة على تلك العلاقات، ولعبت الكيمياء العكسية دورها فى العلاقات بين السادات وأنديرا غاندى حتى أنه عندما أوفد الرئيس المصرى الوزير بطرس بطرس غالى برسالة إلى رئيسة وزراء الهند استقبلت المبعوث المصرى على مضض ووضعت الرسالة جانبًا على المنضدة ولم تفتحها للقراءة وفقًا للتقاليد الدبلوماسية المرعية فى مثل تلك المواقف.
لم يكن الموقف الهندى فى ذلك الوقت نابعًا من عداء حقيقى لمصر وسياساتها وإنما كان مجاملة لدول الرفض العربى وحفاظًا على المصالح الهندية فى منطقة الخليج والعمالة التى تحتفظ بها فى تلك الدول، وبالعودة إلى مقالى الذى كتبته فى ذلك الوقت حينما ألمحت إلى احتمالات التقارب المنتظر بين الهند وإسرائيل يومها قامت الدنيا ولم تقعد حيث احتج السفير الهندى فى القاهرة لدى وزارة الخارجية على ذلك المقال وكأنما يقول (حاشا لله أن نفكر فى إقامة علاقات مع إسرائيل، بعد التاريخ الطويل والحافل من الدعم للقضية الفلسطينية فى مختلف أطوارها) ومضت أحوال كثيرة وتدفقت أمواج فى نهر العلاقات الهندية بعد ذلك.
ولاحظ المراقبون بوادر التعاون الخفى سياسيًا وتقنيًا بين تل أبيب ونيودلهى فى وقت تباعدت فيه سياسة الهند بالتدريج عن الاتحاد السوفيتى السابق واقتربت فيه من السياسة الأمريكية عمومًا، ثم كان مصرع أنديرا غاندى ووصول ابنها الأكبر راجيف إلى سدة الحكم الذى احتلها من قبل جده ثم أمه، إلى أن لقى مصرعه هو الآخر وتبدلت الطرق وتغيرت المواقف وأصبحنا أمام موقف مختلف بكل صراحة ووضوح.
ولقد زرت الهند بعد عشر سنوات من انتهاء خدمتى فيها، وشعرت بأن التحولات التى كنت أتحدث عنها وكانت إرهاصات غير مؤكدة قد أصبحت واقعًا للعيان وحقائق لا تخفى على أحد، وقد كنت أقول لرفاقى فى تلك الرحلة مخاطبًا الهند (كم تغيرت يا هند؟) ولكنها العلاقات الدولية والمصالح المتغيرة والأهداف المتعددة.
وعندما وصل السيد مودى إلى رئاسة الحكومة الهندية وهو المعروف بعدائه للوجود الإسلامى فى الهند والذى يشاركه فيه كثير من المتطرفين الهندوس الذين يرون أن الإسلام هو المسئول الحقيقى عن تقسيم القارة الهندية وتنويع نسيجها السكانى بقيام دولة باكستان فى مخالفة صريحة لتعاليم المهاتما العظيم غاندى ومواقفه التى كانت ترفض التعصب الدينى والتطرف السياسى وتؤمن بالمقاومة السلمية وسياسة اللاعنف، وها هى الهند تطل علينا بوجهها الجديد فى غزل واضح بين الدولتين على حساب القضية الفلسطينية وحقوق شعبها الذى عانى ويعانى كما لم يعانِ شعب آخر فى إقليم غرب آسيا بل والشرق الأوسط كله، وفى غمار هذه الذكريات حول سياسة الهند الخارجية أطرح ملاحظتين لهما ارتباط شديد بما جرى مؤخرًا وهما:
أولاً: إن ظهور دولة باكستان وربما بنجلاديش أيضًا اقتطاعًا من الجسد الهندى لصالح العالم الإسلامى هو أمر لا يغيب عن الوجدان الهندوسى الذى لا ينسى أن دولة المغول الإسلامية كانت صاحبة المسئولية الأولى فى دخول الإسلام وانتشاره فى شبه القارة الهندية حتى أن معظم الآثار الباقية من مساجد وأضرحة وقباب رائعة ومآذن تاريخية هى فى مجملها آثار إسلامية يقف فى مقدمتها تاج محل شاهدًا على عظمة وروعة العمارة الإسلامية فى الهند، وعلى الرغم من التجانس السكانى الأصلى لمجموع الهنود فى العالم وفى موطنهم بالدرجة الأولى إلا أن ذلك لم يمنع من حدوث اضطرابات طائفية بين المسلمين والهندوس من وقت لآخر، كما أن مشكلة كشمير المتنازع عليها فى شمالى غرب الهند سوف تظل سببًا فى تجدد الخلاف بل والصدام العسكرى بين دولتى الهند وباكستان خصوصًا وأنهما تملكان أسباب الردع النووى بالإضافة إلى قوة عسكرية لا يستهان بها. ولذلك كله فإن الموقف الهندى من إسرائيل لا يخلو من هذه الخلفية التى تشكل المعادلة بين طرفى العلاقة القائمة بين الدولة الهندية والأمة الإسلامية.
ثانيًا: إننى أزعم أننا كعرب ومسلمين لم نكن موفقين فى احتواء الهند ربما باستثناء المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربى التى حافظت فى مجملها على علاقات متميزة بمسلمى الهند، ولقد لفت نظرى مؤخرًا اتصال السيد مودى رئيس وزراء الهند بالأمير محمد بن سلمان ولى عهد المملكة العربية السعودية داعمًا للمملكة بعد العدوان الإيرانى على أراضيها فى غمار الفوضى الذى أحدثها ذلك العدوان فى الشرق الأوسط. ودولة الهند بثقلها السياسى والاقتصادى وتقدمها العلمى والتكنولوجى هى دولة نووية وشريكة فى أبحاث الفضاء، كما أنها دولة اكتفاء ذاتى من الحبوب الغذائية فضلاً عن تأثيرها الكبير على دول الجوار فى جنوب آسيا، ومن عجب أننا فى منظمة التعاون الإسلامى لم نتحمس لعضوية الهند فيها ربما مجاملة لباكستان أو حرصًا على تفردها بتمثيل الهنود مسلمين وغير مسلمين، وكان من نتائج ذلك التباعد الذى جرى بين الهند وبعض العواصم العربية والإسلامية ذلك التحرك الصامت الذى بدأنا ندرك آثاره ونكتشف أبعاده، بل إن الاستقبال الحار الذى لقيه رئيس وزراء الهند فى زيارته الأخيرة لإسرائيل هو دليل على اقتراب القوى الكبرى من الحركة الصهيونية والدولة العبرية.
وبالمناسبة فإن الصين أيضًا تتمتع بعلاقات دافئة مع إسرائيل منذ سنوات مضت، والزيارات المتبادلة بين الدولة العبرية ونظيراتها من القوى المؤثرة فى السياسات العالمية قد أصبحت أمرًا لا يخفى على أحد. ولعل الحرب الأخيرة بين واشنطن وإسرائيل فى جانب وإيران الثورة الإسلامية فى جانب آخر هى خير شاهد على ما نقول.
نقلا عن إندبندنت عربية
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا