من الانتكاسة إلى التنظيم.. قراءة فى وقف إلغاء آلية صافى القياس
الإثنين 9 مارس 2026 - 7:25 م
فى العشرين من ديسمبر الماضى، وتحت عنوان «تحول الطاقة والارتداد إلى الخلف»، تناولتُ فى مقال، وبقدر من الانزعاج، قرارًا مفاجئًا بإلغاء آلية صافى القياس (Net Metering)، وهى الآلية التى سمحت لآلاف المستهلكين بإنتاج جزء من احتياجاتهم من الكهرباء عبر محطات شمسية صغيرة وربطها بالشبكة العامة. وقد كان هذا القرار باعثًا على قدر كبير من القلق فى أوساط المستثمرين والمهتمين بقطاع الطاقة المتجددة، إذ بدا وكأنه خطوة إلى الوراء فى مسار طويل من السياسات التى سعت الدولة من خلالها إلى تشجيع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة وتنويع مزيج الطاقة الوطنى.
فآلية صافى القياس ليست مجرد أداة فنية لتنظيم العلاقة بين المنتج الصغير وشركة التوزيع، بل تمثل إطارًا اقتصاديًا وتنظيميًا شجع آلاف الأسر والمنشآت التجارية والصناعية على الاستثمار فى الطاقة الشمسية. كما أسهمت فى نشوء قطاع أعمال جديد يضم أكثر من 168 شركة متخصصة فى تصميم وتنفيذ وتركيب هذه المحطات، فضلًا عن شبكة واسعة من المهندسين والفنيين والموردين. ومن ثم فإن إلغاء هذه الآلية دون تقديم بدائل واضحة كان من شأنه أن يثير تساؤلات مشروعة حول استقرار البيئة التنظيمية للاستثمار فى قطاع ما يزال فى طور النمو.
لم يكن مصدر القلق مجرد تغيير فى سياسة تنظيمية، فالتغيير أمر طبيعى فى القطاعات الديناميكية، وإنما كان القلق منصبًا على غياب الرؤية الانتقالية التى تضمن استمرارية النشاط الاقتصادى المرتبط بالطاقة الشمسية الموزعة. فالاستثمارات فى هذا المجال تعتمد بدرجة كبيرة على وضوح القواعد واستقرارها، لأن جدوى المشروعات الصغيرة والمتوسطة فى الطاقة المتجددة تقوم أساسًا على توقعات طويلة الأجل بشأن أسعار الكهرباء وآليات الربط بالشبكة.
• • •
اليوم، وبعد مرور ما يزيد على شهرين على ذلك النقاش، تبدو الصورة أكثر توازنًا، وربما أكثر نضجًا. فقد شهدت الفترة الأخيرة استجابة من وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، تمثلت فى فتح باب الحوار مع الأطراف المعنية ومناقشة البدائل الممكنة قبل تثبيت القواعد الجديدة. وقد تُوِّجت هذه الخطوة بعقد جلسات مشورة مجتمعية ناقشت مقترح تنظيم جديد للقطاع، وانتهت بإصدار الكتاب الدورى رقم (4) لسنة 2026، وهو تطور يستحق قراءة تحليلية هادئة تتجاوز ردود الفعل الأولية إلى تقييم أعمق لما تعنيه هذه الخطوة فى سياق إدارة التحول الطاقى فى مصر.
ما يلفت الانتباه فى هذه التجربة هو التحول النسبى فى أسلوب إدارة الملف. فبدلًا من الاكتفاء بإصدار قرارات تنظيمية من أعلى إلى أسفل، جرى فتح نقاش منظم ضم ممثلى الجهة التنظيمية والشركة القابضة لكهرباء مصر وشركات التوزيع وعددًا من الشركات العاملة فى إنشاء محطات الطاقة الشمسية، فضلًا عن خبراء ومتخصصين فى القطاع. وقد كشف تقرير جلسة المشورة المجتمعية الصادر فى يناير 2026 عن مستوى مهنى من النقاش حول التحديات التى يواجهها القطاع، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الحوار المؤسسى فى صياغة السياسات العامة.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، لم تحظ ــ للأسف ــ بالتغطية الإعلامية التى تليق بها! فالحوار المجتمعى الذى جرى، وما انبثق عنه من مراجعة للقرار الأولى، لم يظهر فى المجال العام بالصورة التى تعكس دلالته الحقيقية. بل إن كثيرًا ممن أثاروا النقاش حول القرار فى بدايته، وكتبوا محذرين من تبعاته على مناخ الاستثمار فى قطاع الطاقة المتجددة، لم تتم دعوتهم حتى للشهادة على هذا التحول أو المشاركة فى نقاشاته بصورة مباشرة! وهذا لا ينتقص بالطبع من قيمة ما أُنجز، لكنه يكشف عن فجوة لا تزال قائمة بين عملية صنع القرار الاقتصادى وبين المجال العام الذى يُفترض أن يحتضن النقاش حوله. فالسياسات الاقتصادية ــ خصوصًا فى القطاعات الناشئة مثل الطاقة المتجددة ــ لا تتشكل فقط داخل الغرف المغلقة للمؤسسات، بل تتبلور أيضًا عبر التفاعل مع الخبراء والباحثين والكتاب والرأى العام المهتم. ومن ثم فإن إتاحة قدر أكبر من الشفافية والتواصل مع هذا المجال العام من شأنه أن يعزز الثقة فى القرارات التنظيمية ويمنحها شرعية أوسع.
ومن بين أبرز القضايا التى طُرحت للنقاش خلال جلسة المشورة مسألة عدم استقرار القواعد التنظيمية خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2013 صدر نحو ستة عشر كتابًا دوريًا لتنظيم آليات صافى القياس، وهو ما يعكس فى جانب منه محاولة مستمرة لتطوير الإطار التنظيمى، لكنه فى الوقت ذاته خلق حالة من التردد لدى المستثمرين نتيجة تغير القواعد بوتيرة متسارعة. فالمستثمر فى الطاقة المتجددة لا يحتاج فقط إلى الحوافز الاقتصادية، بل يحتاج أيضًا إلى درجة معقولة من اليقين التنظيمى تسمح له بتقدير المخاطر والعوائد على المدى الطويل.
• • •
قد أفضت المناقشات إلى مجموعة من التفاهمات المهمة التى يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة نحو إعادة تنظيم القطاع بدلًا من تقليصه. فقد تم أولًا التراجع عن فكرة الإلغاء الكامل للنظام، مع الإبقاء على آلية صافى القياس فى إطار تنظيمى معدل يراعى الاعتبارات الفنية والاقتصادية لشبكات التوزيع. وهذه الخطوة فى حد ذاتها تحمل دلالة مهمة، إذ تعكس إدراكًا بأن تشجيع التوليد اللامركزى للكهرباء يمثل جزءًا من الحل وليس جزءًا من المشكلة.
ثانيًا، جرى الاتفاق على تحديد مستهدف واضح لقدرات الطاقة الشمسية الموزعة، بحيث تصل القدرة المركبة إلى نحو ألف ميجاوات بحلول عام 2030 (مستهدف متواضع نسبيًا)، مع إمكانية مراجعة هذا الرقم فى ضوء تطور السوق.
وثالثًا، تناولت المناقشات قضية جودة المعدات والإجراءات الفنية المرتبطة بتركيب المحطات. وقد كان من أبرز ما انتهى إليه النقاش اعتماد نهج أكثر مرونة فى التحقق من مطابقة المعدات، عبر الاكتفاء بشهادات المطابقة الدولية المعترف بها بدلًا من اشتراط الحصول على شهادات إضافية من جهات محلية فى كل حالة. ومن شأن هذا التوجه أن يقلل من التعقيدات الإدارية ويخفض تكاليف المعاملات، مع الحفاظ فى الوقت ذاته على معايير الجودة والسلامة.
كما تم الاتفاق على الإبقاء على نسبة من المكون المحلى فى المشروعات الجديدة لا تقل عن 25%، وهو توجه يعكس رغبة فى ربط نمو قطاع الطاقة الشمسية بتطوير الصناعة المحلية المرتبطة به، سواء فى مجال الهياكل المعدنية أو الكابلات أو بعض مكونات الأنظمة الكهربائية.
أما الكتاب الدورى رقم (4) لسنة 2026 الصادر عن تنظيم المرفق فقد جاء ليترجم هذه التفاهمات إلى قواعد تنظيمية أكثر وضوحًا. ومن بين أبرز ما تضمنه تحديد رسوم واضحة لدراسة الطلبات وإجراءات الربط بالشبكة، وهو ما يسهم فى الحد من التقديرات المتباينة للتكاليف بين شركة توزيع وأخرى. كما تضمن الكتاب تحديد جداول زمنية لكل مرحلة من مراحل تنفيذ المشروع، بدءًا من تقديم الطلب وحتى التشغيل الفعلى للمحطة. ولعل أحد البنود اللافتة فى هذا السياق هو النص على فرض غرامة تأخير على شركة التوزيع فى حال تجاوز المدد المحددة لإجراءات الربط.
كما تضمن التنظيم الجديد وضع حد أقصى لتكاليف عقود الصيانة الإلزامية، بحيث لا تتجاوز 1% من التكلفة الاستثمارية للمشروع. ويهدف هذا الإجراء إلى تحقيق توازن بين ضمان الصيانة الدورية للمحطات والحفاظ على الجدوى الاقتصادية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التى قد تتأثر بشكل ملحوظ بأى زيادات غير محسوبة فى التكاليف التشغيلية.
• • •
رغم أن هذه الإجراءات تبدو فى ظاهرها تقنية وتنظيمية، فإن دلالاتها الاقتصادية أوسع من ذلك بكثير. فهى تعكس محاولة لإعادة بناء الثقة بين الجهة التنظيمية والمستثمرين فى قطاع ناشئ يعتمد بدرجة كبيرة على وضوح الإطار المؤسسى. فالتحول الطاقى ليس مجرد مسألة تكنولوجية، بل هو فى جوهره عملية مؤسسية تتطلب تنسيقًا دقيقًا بين السياسات الصناعية والبيئية والمالية والتنظيمية.
ومع ذلك، فإن الخطوة الأهم فى المرحلة المقبلة لن تكون فى إصدار المزيد من الكتب الدورية، بل فى ترسيخ قدر أكبر من الاستقرار التشريعى والتنظيمى. فربما يكون من الأنسب، على المدى المتوسط، الانتقال من نظام الكتب الدورية المتعاقبة إلى إطار قانونى أو لائحى أكثر شمولًا ينظم التوليد اللامركزى للكهرباء، ويحدد بوضوح حقوق والتزامات جميع الأطراف. كما أن توحيد الإجراءات بين شركات التوزيع المختلفة يظل شرطًا ضروريًا لنجاح النظام الجديد، لأن التباين فى التطبيق العملى للقواعد قد يؤدى فى النهاية إلى تقويض الهدف الأساسى من التنظيم.
فى المحصلة، يمكن القول إن ما حدث خلال الأسابيع الماضية يقدم مثالًا مهمًا على إمكانية تحويل لحظة توتر تنظيمى إلى فرصة لإعادة تنظيم القطاع على أسس أكثر توازنًا. فقد أظهر المستثمرون والشركات العاملة فى مجال الطاقة الشمسية قدرًا كبيرًا من الوعى والقدرة على التعبير عن مصالحهم بشكل منظم، فى حين أظهرت الجهة التنظيمية قدرًا من المرونة والاستعداد للاستماع وإعادة النظر.
كاتب ومحلل اقتصادى
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا