كلمات.. غيَّرت كل شىء!

الخميس 26 فبراير 2026 - 6:50 م

نشرت جريدة القبس الكويتية مقالًا للكاتب سليمان الخضارى، يتناول فيه القوة الخفية للكلمات، إذ إن التغييرات الجوهرية فى حياة الإنسان قد تأتى من جملة بسيطة وغير مقصودة قيلت فى «لحظة هشاشة» أو «توقيت احتياج»، لتستقر فى أعماق النفس وتصبح نقطة تحول أبدية، سواء كان هذا الأثر بناءً يمنح الثقة أو جرحًا يهدم الذات. خلاصة القول، يدعونا الخضارى إلى إدراك ثقل الكلمة وأثرها الممتد، دون تكلف أو رقابة مرهقة، بل بوعى بسيط بأن ما نقوله اليوم قد يكون هو «نقطة البداية» لشخص آخر بعد عشرين عامًا.. نعرض من المقال ما يلى:
ليس بالضرورة أن تكون الكلمات التى تغيّر مسار حياتنا كلمات كبيرة أو حكم فلسفية عميقة أو خطب معدّة مسبقًا بعناية، بل فى العالم الحقيقى يحدث ذلك غالبًا من خلال جملة عابرة قالها أحدهم بلا حسابات مسبقة أو نية محددة أو إدراك بما يفعله، وصدرت فى لحظة عادية جدًا لا تختلف ظاهريًا عن أى لحظة أخرى، لكنها وصلت فى توقيت لم يكن صاحبها يتوقعه إلى مكان فى أعماقنا كان ينتظر تحديدًا هذه الكلمة ليستيقظ من سبات طويل ويبدأ فى التحرك!
معلّم فى المدرسة يقول لتلميذه بين الحصص وبلا مقدمات «أنت تكتب بطريقة مختلفة عن البقية»، ربما قالها وهو يصحح الدفاتر ولم يقصد أكثر من ملاحظة عابرة سينساها هو قبل أن ينتهى اليوم المدرسى، لكن هذا التلميذ سيحمل تلك الجملة معه عشرين سنة كاملة حتى يصبح كاتبًا ويتذكر ذلك اليوم وتلك اللحظة كنقطة البداية الحقيقية لكل شىء أو أب يقول لابنه، وهو يخرج من باب البيت متوجهًا للعمل أو للسفر «أنا أثق فيك»، بنبرة هادئة بسيطة لا تحمل أى تعليمات ولا محاضرات ولا شروط، فيكتشف ذلك الابن بعد سنوات طويلة أن تلك الجملة القصيرة كانت سبب قوته والدرع التى حمته فى لحظات ضعف كثيرة لم يكن أبوه يعرف عنها شيئًا!
ما يجعل هذه الكلمات مؤثرة إلى هذا الحد ليس بلاغتها ولا عمقها الفلسفى، بل توقيتها وبساطتها وحاجتنا لها، فهنالك لحظات من الهشاشة أو التردد أو البحث المحموم عن معنى أو اتجاه، تصبح معها أذن الإنسان مفتوحة على اتساعها لأى صوت يمنحه شيئًا يتمسك به، سواء كان اتجاهًا أو تأكيدًا أو حتى صدمة موجعة تعيد ترتيب ما تبعثر فى داخله، وكثيرًا ما تأتى تلك الكلمة المفصلية من شخص لا يدرك أنه قد قالها فى اللحظة المناسبة تمامًا، ولا يتخيل أنها سكنت فى ذاكرة من سمعها وأصبحت جزءًا من قصة حياته!
الوجه الآخر لهذه الحقيقة أن الكلمات التى تبنى قد تكون هى نفسها الكلمات التى قد تهدم أيضًا حين تأتى من الشخص الخطأ أو فى اللحظة الخطأ، فكم من جملة قاسية أطلقها أب فى وجه ابنه فى لحظة غضب لم تستغرق ثانيتين، لكنها عاشت فى وعى ذلك الابن سنوات طويلة وشكّلت بصمت طريقة نظره لنفسه ولقدراته ولاستحقاقه، وكم من تعليق عابر ألقاه معلم أو زميل أو حتى غريب فى لحظة عدم انتباه ترك ندبة عميقة فى ثقة إنسان بنفسه لم تلتئم تمامًا رغم مرور عقود كاملة عليها، لأن الكلمة حين تصيب مكانًا هشًا فى النفس لا تحتاج أن تكون حادة كثيرًا لتتسبب بجرح عميق!
فى كل يوم تنطلق من أفواهنا عشرات الجمل والعبارات، لا ندرى أيها سيعبر مرورًا كما يعبر الهواء دون أن يترك أثرًا، وأيها سيسكن فى ذاكرة أحدهم ويغيّر شيئًا جوهريًا فى حياته، سلبًا أو إيجابًا، ولا ندرى أى كلمة عابرة نقولها لأبنائنا على الغداء أو لطلابنا فى الفصل أو حتى لشخص صادفناه مرة واحدة، ستكون هى الكلمة التى يتذكرها ذلك الإنسان بعد عشرين سنة حين يُسأل: ما الذى غيّر حياتك؟
لن أطلب منك كما فى نصائح السوشيال ميديا السهلة أن تزن كل كلمة قبل أن تقولها، فهذا أمر مستحيل وسيلزمك برقابة مسبقة مستمرة ومرهقة لا تُطاق ولا تُعاش، لكنك تستطيع على الأقل أن تدرك أن كلماتك تسافر لأبعد مما تظن وقد تعيش أطول مما تتخيل، وأن جملة واحدة صادقة قيلت فى لحظتها المناسبة قد تفعل فى حياة إنسان ما لا تفعله سنوات من النصائح المعلّبة والمحاضرات الطويلة، وأن أثرك الأكبر فى هذا العالم قد لا يكون فيما أنجزته أنت مباشرة ولا فيما تتركه من أموال وممتلكات بل فيما قلته ذات يوم لأحدهم ونسيته أنت تمامًا، بينما لم ينسه هو.. أبدًا!

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة