استحالة قيام دولة فلسطينية.. إذن فلنطالب بدولة واحدة

الخميس 26 فبراير 2026 - 6:45 م

ادعى وزير الخارجية الإسرائيلى فى جلسة مجلس الأمن بتاريخ 19 فبراير 2026 أن اليهود هم السكان الأصليون، وأن الضفة الغربية هى يهودا والسامرة ولهم حق تاريخى فيها، ودافع عن التوسع الفاحش للمستوطنات فيها، كما كرر مواقف الحكومة الإسرائيلية حول القدس بما فى ذلك القدس الشرقية بأنها عاصمة الدولة العبرية وستبقى كذلك.
كانت إسرائيل قد أعلنت يوم 9 فبراير 2026، وعلى لسان بعض وزرائها عن إجراءات جديدة اتخذها المجلس الوزارى الأمنى المصغر لتطبيقها فى الضفة الغربية، ووصفها كل من وزيرى الدفاع والمالية الإسرائيليين بأنها تعمل على «قتل فكرة قيام دولة فلسطينية»، وسبق لنفس الوزيرين أن أعلنا فى 30 مايو 2025، بمناسبة تبنى نفس المجلس الوزارى الأمنى قرارات بتوسيع ضخم للمستوطنات الإسرائيلية فى الضفة، إضافة لبناء 22 مستوطنة جديدة «بأن هذه القرارات تتخذ وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى لإحكام السيطرة (على الضفة) ومنع قيام دولة فلسطينية فى العقود المقبلة». كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلى الحالى قد أعلن أكثر من مرة رفضه لقيام دولة فلسطينية، كما رفض مبدأ حق تقرير المصير أو الإشارة إليه فى أى وثيقة دولية، بما فى ذلك ما تضمنته خطة ترامب وقرار مجلس الأمن رقم 2803 رغم صياغته المشروطة وغير المحكمة.
لم تعلن تفاصيل هذه القرارات بشكل كامل، إلا أن ما نُشر منها فى الإعلام الإسرائيلى والدولى، وعلى لسان المسئولين الإسرائيليين، يؤكد أن هذه الإجراءات تتضمن تسهيل شراء المزيد من الأراضى الفلسطينية والاستيلاء عليها أو مصادرتها، وسلب السلطات الفلسطينية بعض صلاحياتها الإدارية المقررة حسب اتفاق أوسلو، وخاصة فى المنطقتين ( أ) و(ب) بل والسيطرة على بعض الأماكن الدينية الإسلامية التاريخية ومنها قبر بلال، وفى مدينة الخليل.
ثم صدّق مجلس الوزراء الإسرائيلى فى 15 فبراير 2026 على قرارات إضافية بفتح تسجيل الأراضى فى الضفة وذلك لأول مرة منذ عام 1967، وبموازنة نحو 79 مليون دولار للفترة من 2026 إلى 2030، وفى ضوء عدم تمكن الفلسطينيين من تسجيل هذه الأراضى التى يملكونها منذ عام 1968 عقب الاحتلال الإسرائيلى وبقاء نحو ثلثيها بدون تسجيل، فسوف تعتبر إسرائيل هذه الأراضى ملكا لها، وسوف تتمكن من الإسراع فى عملية بناء المزيد من المستوطنات عليها. وخاصة فى المنطقة (ج) التى تسيطر عليها إسرائيل بالكامل وتمثل نحو 60% من مساحة الضفة.
وقد أدت هذه الإجراءات لإدانات قوية فلسطينيا وعربيا ودوليا، وأكدت معظمها على أهمية حل الدولتين أى إنشاء دولة فلسطينية بجانب الدولة الإسرائيلية القائمة بالفعل، باعتبار ذلك هو الطريق الأمثل للسلام والاستقرار فى المنطقة، ولكن السؤال الرئيسى هنا أصبح هل الأوضاع على أرض الواقع، سواء فى الضفة الغربية أو غزة، تسمح بالفعل بقيام هذه الدولة التى يطالب بها الفلسطينيون ومعظم دول العالم؟
• • •

هنا يمكن الإشارة إلى الحقائق التالية:

أولا: أن الإجراءات الإسرائيلية المشار إليها سابقا رغم خطورتها، إلا أنها حلقة من سلسلة إجراءات عديدة تتخذها إسرائيل فى الضفة الغربية، ومنذ عدة عقود، وكانت تهدف بالفعل لخلق أوضاع على الأرض يصعب تغييرها مستقبلا، وتجعل إنشاء دولة فلسطينية أمرا مستحيلا، والأكثر التمهيد لضم الضفة الغربية، أو أجزاء كبيرة منها على الأقل، إلى إسرائيل فى إطار السياسة التوسعية للدولة العبرية، خاصة منذ مجىء نتنياهو لمنصبه كرئيس الوزراء لأول مرة عام 1996، حيث أعلن موقفه وحكومته بمعارضة اتفاقات أوسلو.
ثانيا: يبدو أن كلا من الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى كان يهدف لشىء مختلف بل ومناقض لأهداف الطرف الآخر من اتفاق أوسلو (خاصة الموقع عام 1995)، فقد وافق الطرف الفلسطينى على أن يسيطر إداريا وأمنيا (شرطيا) على المنطقة (أ) وبها المدن الرئيسية، وأكثرها اكتظاظا بالسكان، والتى لا تمثل سوى نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، وأن يتشارك بعض السلطات فى المنطقة (ب) مع الجانب الإسرائيلى، والتى تمثل نحو 22% من مساحة الضفة، فتختص السلطة الفلسطينية بالجوانب الإدارية فقط عليها، ويسيطر الجانب الإسرائيلى على كافة الجوانب الأمنية، كما قبل الفلسطينيون أن يترك السيطرة الكاملة على المنطقة (ج) لإسرائيل رغم أنها تمثل نحو 60% من مساحة الضفة، كما وافقوا على ترك قضايا عودة اللاجئين، والقدس، والمستوطنات، إلى مفاوضات الوضع النهائى التى لم تحدث إلى الآن رغم مرور أكثر من ثلاثين عاما، وعلى أمل أن يكون هذا الوضع مؤقتا ولمدة خمس سنوات فقط تنتقل بعدها السيطرة الفلسطينية على كافة المناطق (أ،ب،ج) تمهيدا لقيام دولة فلسطينية فى الضفة وغزة والقدس الشرقية، وهو ما لم يحدث إلى الآن كذلك.
واتضح أن إسرائيل كانت تهدف من اتفاق أوسلو التخلص من عبء الإدارة الشرطية والشئون اليومية لنحو ثلاثة ملايين فلسطينى مكتظين فى مدن الضفة، وإلقاء هذا العبء على السلطة الفلسطينية، التى عليها التعاون معها أمنيا، مع أحكام السيطرة والاحتلال والتوسع تدريجيا وليس إقامة دولة فلسطينية.
ثالثا: زاد عدد المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة من نحو 172مستوطنة عند توقيع اتفاق أوسلو عام1993 إلى نحو444 حاليا، وتقوم إسرائيل بالمزيد بتوسعة المستوطنات القائمة وبناء مستوطنات جديدة. وهو ما يعنى شبه استحالة تفريغها أو هدمها أو تركها للدولة الفلسطينية المأمولة. كما ازداد عدد المستوطنين الإسرائيليين من نحو11 ألفًا عند توقيع أوسلو إلى نحو 950 ألفًا حاليا وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد المستوطنين فى الضفة يقترب من المليون مستوطن بين نحو ثلاثة ملايين فلسطينى، وهو ما يعنى شبه استحالة ترحيلهم من الضفة، ولا إمكانية بقائهم تحت أى سلطة فلسطينية سواء كحاملى جنسية فلسطينية فى الدولة المأمولة، أو كأجانب إسرائيليين فيها، كما أن معظمهم من غلاة المتطرفين المؤمنين بالمفاهيم التوراتية وتفسيراتها، وحقهم فى هذه الأرض المسماة يهودا والسامرة حسب زعمهم، كما أن هذا هو موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية بزعم الحق التاريخى فى هذه الأرض. وإذا نظرنا إلى أى خريطة لهذه المستوطنات سنجد أنها كبقع فى كل مكان فى الضفة، تحاصر وتقطع أوصال الكتل الفلسطينية.
رابعا: ينحشر نحو 92 % من الفلسطينيين فى المنطقتين أ و ب والتى لا تمثل أكثر من 40% من مساحة الضفة البالغة نحو 5655 كيلو مترا مربعا، كما تحيط بهم المستوطنات من كل جانب، أما المنطقة (ج) التى تمثل نحو 60% من الضفة وتقع فى الجانب الشرقى من القطاع بمحاذاة الأردن، فقد منعت الفلسطينيين الموجودين بها على قلتهم من التمدد العمرانى أو بناء أى مبان وحرمت عليهم نحو 70% من أراضى هذه المنطقة، وضيقت عليهم معيشتهم بالاستمرار فى مصادرة مزارعهم، وعملت على زيادة المستوطنين بها كما تبنى سورا عازلا بطول الحدود مع الأردن الأمر الذى يعنى منع أى اتصال مع الأردن، وخنق معظم الفلسطينيين فى المنطقتين (أ) و(ب).
خامسا: بدأت إسرائيل ومنذ عام 2002 فى بناء جدار عازل بطول 670 كيلو مترا داخل الضفة، وحسب تقرير لبعثة الاتحاد الأوروبى فى 15 أغسطس 2025، فقد أضاف هذا الجدار نحو 10% من مساحة الضفة لإسرائيل، كما فصل نحو 200 ألف فلسطينى غرب الجدار عن مزارعهم وأعمالهم وأقاربهم فى باقى الضفة، كما فصل الجدار القدس الشرقية والفلسطينيين بها عن باقى الضفة وسكانها، إضافة إلى أن المستوطنين اليهود بها أصبحوا أغلبية ويشكلون نحو 52% من السكان.
سادسا: إذا انتقلنا لحال غزة حاليا، ونتيجة للتطورات على أرض الواقع خلال العامين الماضيين، سنجد أن إسرائيل لا تزال تحتل نحو 53% من غزة ودمرتها بالكامل، ولا تزال المرحلة الثانية من خطة ترامب تواجه صعوبات عدة، ومنها ربط الانسحاب بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، فضلا عن إقرار خطة ترامب وقرار مجلس الأمن بعدم انسحاب إسرائيل من محيط غزة فى منطقة قد تمثل نحو 15% من القطاع، وربط ذلك بانتهاء ما أسماه الإرهاب، ورغم إشارة قرار مجلس الأمن (بعبارات غير محكمة وبمشروطية) لتقرير المصير والدولة الفلسطينية، إلا أن الوضع الراهن بإنشاء بعض المؤسسات من قبل ترامب ومنها مجلس السلام الذى توسع اختصاصه خارج موضوع غزة للتعامل مع مشكلات العالم ككل، وانضمام نتنياهو له، وطبيعة اللجنتين التنفيذيتين الأخريين اللتين تم إنشاؤهما وتشكيلهما، وخلفية معظم أعضائهما، لا يشير بأى حال لأى خطوات عملية نحو إنشاء دولة فلسطينية إلى الآن.
• • •
النتيجة الواضحة لكل هذه التطورات على أرض الواقع، والتى أنشأتها إسرائيل بإجراءاتها العسكرية والتشريعية والتنفيذية وسياساتها المعلنة، هى استحالة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، كما يطمح العرب، على حدود ما قبل حرب الخامس من يونيو 1967 أى فى الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية كعاصمة لها، وبالرغم من كافة قرارات الشرعية الدولية الصادرة من مؤسسات الأمم المتحدة والقضاء الدولى، بل واعتراف عشرات الدول بهذه الدولة الفلسطينية المتخيلة والمأمولة، ولذلك يصبح البديل الآخر الذى يجب المطالبة به هو حل الدولة الواحدة بمعنى أن يكون كل الفلسطينيين فى الأراضى المحتلة مواطنين لهم كافة حقوق المواطن الإسرائيلى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فى مساواة تامة، بما فى ذلك حق التصويت والاشتراك فى الحكم من خلال عضوية البرلمان، وأن تتبنى إسرائيل اللغة العربية كلغة رسمية بجانب العبرية، وهو ما قد يسمح لها بالانضمام للجامعة العربية.
ويمكن النظر فى مرحلة انتقالية يتم فيها المحاصصة على نمط النموذج اللبنانى، بأن يكون رئيس الحكومة يهوديا ورئيس الدولة فلسطينيا مسيحيا، ورئيس البرلمان مسلما، ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورؤساء الأجهزة الأمنية (الموساد والشاباك) من اليهود، إلى أن تنضج العلاقات بين الشعبين.
ندرك أن هذا الطلب لن توافق عليه إسرائيل، فى ظل عقيدتها السياسية والعسكرية وتفسيراتها التوراتية، والأسس الأيديولوجية التى بنت عليها إنشاء الدولة، وقوانينها التى تسير فى اتجاه يهوديتها، بل وسياساتها المعلنة بتهجير الفلسطينيين أو إبادة أكبر عدد منهم، ولذلك فلابد أن يوضع أمامها وأمام المجتمع الدولى، خاصة القوة العظمى التى تساندها، خيار حل الدولة الواحدة ما دامت لا تقبل بحل الدولتين، وهو ما قد يجعل قادة إسرائيل ومؤيديها يوازنون بين الاختيارين دولة فلسطينية بجانبها، أو دولة واحدة تقضى على الفكرة الصهيونية من أساسها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة