كانت أسر 18 عاملًا بالمزارع السمكية تنتظرهم على مائدة الإفطار في أول أيام رمضان عندما دهسهم شبح حوادث الطرق في مص، فتزامن أذان المغرب مع بحث الآباء والأمهات عن علامات في الأشلاء للتعرّف على فلذات أكبادهم.
أعرف جيدًا موقع الحادث في القطاع المتاخم لبورسعيد وبحيرة المنزلة من محور 30 يونيو، ما يجعلني أتصوّر العديد من الأسباب المحتملة لهذا الحادث وغيره في مختلف قطاعات المحور بدءًا من طريق القاهرة-الإسماعيلية الصحراوي مرورًأ بالشرقية ووصولًا إلى الطرق المتخللة لبحيرة المنزلة بين بورسعيد ودمياط، فالمنطقة بالكامل تلخص العيوب الأكثر خطورة بشبكة الطرق المصرية.
منذ عشر سنوات كان المأمول أن ينهي هذا المحور وتطوير الطرق المرتبطة به كل مشاكل التنقل بين محافظات شمال شرق الدلتا، بتوفير بديل سريع وآمن بعد تخصيص حارات موازية لسير مركبات نقل البضائع بأنواعها (نقل خفيف وثقيل ومقطورة) وإنشائه بتصميم واسع لتخفيض الكثافات قياسًأ بالطرق القديمة الواصلة بين المحافظات.
لكن هذا الاتساع -في غياب الإدارة المحكمة لقطاعات المحور المختلفة وضعف صيانته- تحول إلى نقمة بدلًا من أن يكون سببًا في تقليل الحوادث. فتعدد الحارات يغري قائدي السيارات وتحديدًا النقل بأنواعه بالسير بسرعة جنونية، فضلًا عن ظهور مطبات هوائية وتشققات في طبقات الطريق وتموجات عنيفة أفقدت السطح الأسفلتي استواءه، وعيوب أخرى خطيرة في الطريق الرئيسي والحارات الموازية، مما يدفع قائدي النقل إلى الانتقال للحارات الرئيسية مرارًا ومزاحمة باقي العربات.
كما أن العديد من أجزاء المحور لا توجد بها حارات للنقل، وبعضها يرتبط بطرق أخرى من خلال مداخل ومخارج صغيرة لا تتناسب مع اتساع المحور ذاته، كما تغيب فيها –أو تضيق للغاية- أكتاف الطريق الني تُخصص للتوقف الاضطراري للعربات، لا سيما ونحن نتحدث عن منطقة تعج بالنشاط ليل نهار بسبب الحركة المستمرة لنقل الأسماك والبضائع الأخرى القادمة من المناطق الصناعية والاستثمارية في بورسعيد ودمياط. وفي الليل تغيب الرقابة عن المحور كما يغرق في ظلام دامس، فيتحول إلى مضمار سباق بين سائقي الموتوسكيلات المنتمين غالبًا للقرى المحيطة به، وتُهجر الحارات الموازية بالكلية.
أما طرق بحيرة المنزلة الواصلة بين بورسعيد ودمياط وشمال الدقهلية فالعابرون بها يرون الموت كل يوم لأسباب أسوأ من عيوب قطاعات محور 30 يونيو، والتعامل معها يتطلب قيادة من نوع خاص وجرعات مكثفة من التركيز والصبر. لا إضاءة من أي نوع على الرغم من تعدد المنحنيات، لا حواجز فاصلة بين الاتجاهين على الكباري العابرة بالمياه. لا نعرف شيئًا اسمه "استواء الطريق" فمعظم المناطق مكسّرة وطبقاتها متآكلة، فتزيد فرص عدم التحكم في المركبة وصعوبة إيقافها، وتزيد الخطورة بسبب الآثار البيئية المعتادة للمياه المالحة حول الطريق وأسفله.
هذه المشاكل ليست استثنائية فسلسلة كوارث الطريق الدائري الإقليمي مازالت شاخصة أمامنا وتتكرر مع اختلاف أعداد الضحايا في طرق الصعيد وغيرها. وأغلب الضحايا ممن اصطُلح على تسميتهم بـ"شهداء لقمة العيش" من العمال بالأجر اليومي أو الأسبوعي أو على باب الله، غير المشمولين بأي نوع من التأمين أو الحماية، وهذه مشكلة أخرى ينبغي فتحها بجدية على ضوء قانون العمل الجديد والآليات التي تضمنها لمحاولة مد مظلة الرعاية إلى العمالة غير المنتظمة.
الإحصائيات تخبرنا أن حوادث المرور في مصر ليست ظاهرة بل روتينًا يوميًا. فمن 2020 إلى 2024 تسببت وسائل النقل المختلفة (غير القطارات) في وفاة أكثر من 31 ألف شخص بحسب جهاز التعبئة العامة والإحصاء الذي حدد في أحدث إصداراته مئات النقاط عالية الخطورة في 70 طريقًا على مستوى الجمهورية تبعًا لتصنيف الحوادث جغرافيًا.
ومن هنا بالضبط يجب أن نبدأ حربًا جادة وشاملة على شبح الحوادث، عدونا الأول في العصر الحديث، لتقليص الكلفة البشرية والاقتصادية.
أولًا: بالتحليل العلمي لملابسات الوقائع وأسبابها البشرية والمادية والبيئية، وجغرافية النقاط السوداء التي تظهرها أنماط الحوادث تبعًا لنوع المركبات وعدد الضحايا، بهدف وضع خريطة زمنية معلنة لتطوير الطرق وترميمها بإجراءات شفافة وتحت رقابة صارمة تمنع ظهور مشاكل جسيمة بعد فترة قصيرة من تسليم المشروعات.
ثم بدراسة الأثر التشريعي للتعديلات الأخيرة على قانون المرور ومدى قابلية النصوص المستحدثة للتنفيذ والعقبات التي تحول دون تحقيق الانضباط على الأرض. فكفانا أوهامًا بأن تغليظ العقوبات وكشوف المخدرات تكفي وحدها لحماية الأرواح.