فى مقالين سابقين فى هذه الزاوية بالذات استذكرنا مشروعين عربيين سينمائيين مجهضين؛ أولهما للسينمائى اللبنانى الراحل قبل سنوات برهان علوية، الذى رحل وفى نفسه حسرة لأنه عجز، رغم كل الجهود التى بذلها، عن تحقيق فيلمه الموعود عن جبران خليل جبران؛ والثانى للكاتب المصرى الراحل قبل شهور قليلة صنع الله إبراهيم، الذى عاش السنوات الأخيرة من عمره متحسرا بدوره على عدم تمكنه من أن يخوض اللعبة السينمائية بواسطة مشروع له مجهض عن تاريخ «القرامطة»، كان يتصوره فى خياله إلى جانب شريكيه فى المشروع محمد ملص وعمر أميرالاى، وعمل عليه معهما فترة طويلة من الزمن. فى الحالتين تساءلنا فى هذا المكان بالذات عمّا كان من شأن المشروعين أن يكونا عليه لو تحققا، وأوردنا فرضية مفادها أن ثمة فى عالم السينما نفسه ما من شأنه أن يجعل مشروعا مجهضا أكثر أهمية وكمالا من مشروع اكتمل حقا.فى سياق المقالين، على أية حال، أشرنا غير مرة إلى واحد من المشاريع الكبرى فى عالم السينما المجهضة، وهو واحد من الأفلام التى لم يحققها الأمريكى الذى عاش منفيا فى بريطانيا، ستانلى كوبريك، ورحل عن عالمنا فى العام 1999 وقد استبدت به حسرة العجز عن ذلك. حسرة كان «نابليون» -وهو المشروع الذى أشرنا إليه- موضوعها. ولأن حديث «نابليون» بدا فى المقالين غامضا، على أهميته، ها نحن نعود إليه هنا، وتحديدا من منطلق المصير المدهش الذى كان له بعد كل شىء، وتحديداً بعد سنوات من رحيل ذلك المبدع الكبير، كمثال على استعمال بديع لما أُجهض، ولكن فى حياة ثانية لاحقة للمشروع نفسه، بعيدا بعض الشىء عن المآل السينمائى المفترض.فكوبريك، الذى كان قد اشتغل سنوات طويلة على مشروع يتعلق بفيلم عن نابليون، كان فى كل مرة يتاح له أن يحقق فيلما جديدا من أفلامه -التى لا يزيد عددها على 13 فيلماً، ويُعدّ كل منها تحفة استثنائية فى تاريخ الفن السابع- كان يؤجل مشروعه النابليونى بحجة أنه لم ينضج بعد. لكنه كان بين الفيلم والآخر ينكب، مع رهط من مساعديه بل وأهله الأقربين، يشتغل إما على تطوير السيناريو وإما على جمع كل صورة وشذرة وفكرة تتعلق بالإمبراطور، فيصوّرها ويؤرشفها، مضيفا إلى كل صورة بطاقة تعريفية بكل ما يمكنه تخيله من معلومات حقيقية أو متداولة أو حتى متخيلة عن نابليون، بل كذلك عن كل من قابل هذا الأخير أو دنا منه. وهو فى خضم ذلك اقتنى نسخا مما لا يقل عن ستين فيلما بشتى لغات العالم تناولت نابليون، فكوّن له ذلك مكتبة نابليونية تليق حقا بمكانة الإمبراطور فى التاريخ، بل تليق خاصة أيضا بالمسار السينمائى والفكرى لذلك السينمائى الكبير.ولقد كان فى مخططات كوبريك أنه سوف يحتاج عشر سنوات لإنجاز المشروع، وذلك استنادا إلى مخططات عبّر هو يوما عن أنها ستكون، فى مجال الاستراتيجية السينمائية، أقرب ما تكون إلى الاستراتيجيات العسكرية التى بنى عليها نابليون مجده العسكرى. لكن، وتماما كما أن نابليون أخفق فى استراتيجياته على الرغم من كل طموحاته وعبقريته، ها هو فيلم كوبريك عنه يؤجَّل ويؤجَّل إلى درجة أن صاحب المشروع مات، وبدا واضحا أن النسيان سوف يطوى فيلمه العتيد كما حدث لمئات بل لألوف من أفلام كبار الكبار التى انطوت، وغالبا ما انطوت ذكراها دائما، مع رحيل «مجنون المشروع»، حتى وإن بقيت ذكرى هذا الأخير حية إلى أبد الآبدين.هنا، أمام هذا المصير المحتوم عادة، وبعد سنوات عديدة مرت على رحيل كوبريك، دخلت منشورات «بنديكت طاشن» على الخط. وهى دار عالمية للنشر وُلدت فى ألمانيا قبل نحو نصف قرن من الآن لتعيد إلى الكتاب مكانته وعالميته بطريقة فى منتهى الغرابة، لا شك تستحق أن نعود إليها، وهو ما سنفعله فى مقال مقبل بالتأكيد. أما هنا فلنعد إلى دخول ذلك الناشر الجرىء والمثقف المغامر على خط مشروع نابليون. فطاشن، فيما كان يشتغل مع عائلة كوبريك على استكمال مشروع يتعلق بهذا الأخير خلال السنوات الأخيرة من حياته، وهو عبارة عن كتاب ضخم مصوّر يحكى عن أفلامه ومغامراته السينمائية، اكتشف، وهو يحضّر فصلا عن «مشاريع كوبريك المجهضة» يختم به الكتاب، وجود جناح بأكمله فى قبو فيلا كوبريك غير بعيد من لندن، حيث كان يقيم ولا تزال زوجته الفنانة وأولاده يقيمون، يضم عشرات الصناديق والخزائن والأضابير، وكلها تحمل عنوانا واحدا هو «مشروع نابليون». بل اكتشف بين الموجودات نوتات موسيقية تتعلق بالتصور الموسيقى للمشروع، ومراسلات تربو على الألف رسالة تتناول جميعها شئونا وتفاصيل تتعلق ليس فقط بعملية الإخراج بل حتى بالإنتاج، إلى جانب تماثيل لدمى صغيرة أُلبست ملابس جنود نابليونيين.. واللائحة تطول.بالنسبة إلى آل كوبريك، كما بالنسبة إلى بنديكت طاشن، بدا واضحا أمام تلك الأكوام من الوثائق والصناديق أن ثمة استحالتين: من ناحية، استحالة أن يُصار يوما إلى إحياء سينمائى فعلى لمشروع صاغه ستانلى كوبريك على قياسه، قياسا لا يمكن أن يتحمله أى مبدع أو حتى أى منتج سينمائى آخر. لقد مات كوبريك، ولكن لا يجب أن يموت حلمه النابليونى، وتلك هى الاستحالة الثانية. ولأن الناشر محب للكتب ومغامر فى تعامله معها، وكان قد حقق من الكتب ثروة ورأسمالا ضخمين، فكر دقائق قليلة وهو يتأمل ما حوله فى القبو، ثم اتخذ قراره بأن كتابا - مهما كانت ضخامته وما يتوجب إنفاقه عليه - يجب أن يضم ما يمكن ضمّه مما يتعلق بالمشروع السينمائى المجهض، والذى ينبغى اليوم ألا يبقى مجهضا.وهكذا، خلال دقائق، وُلد من موجودات قبو ستانلى كوبريك ومن تعلّق بنديكت طاشن بالمشروع ذلك الكتاب الذى بات يُعدّ منذ صدوره، وفى عدد من اللغات، واحدا من أجمل وأروع الكتب التى صدرت عن السينما فى تاريخ المنشورات المتعلقة بالفن السابع. والكتاب، الواقع فى أكثر من 800 صفحة بالحجم الموسوعى الضخم والمجلد تجليدا فاخرا بونابرتيا على الأقل، يضم أوسع مجموعة متعلقة بأى فيلم من الأفلام الكبرى فى تاريخ السينما، وهذا طبيعى بالنسبة إلى فيلم يحمل توقيع عملاق سينمائى من طينة ستانلى كوبريك، لكنه جنونى بالنظر إلى أنه واحد من الكتب النادرة التى صدرت عن فيلم لم يتحقق أبدا.بالنسبة إلى الناشر بدا الأمر مغامرة مجنونة، لكن مفاجأته كانت كبيرة حين تمكن كتاب «نابليون ستانلى كوبريك» من أن يصل إلى أكثر من أربعين ألف مشترٍ خلال عام واحد من ظهوره عام 2018. ولسنا ندرى ما إذا كان لا يزال يقتحم سوق الكتب حتى الآن، لكننا نعرف أن بنديكت طاشن، الذى سنعود إلى حكايته مع النشر فى الأسبوع المقبل، قال معلقا حين سُئل عن هذا الرقم: إنه يقل ألف مرة عن عدد الذين كان من شأنهم أن يشاهدوا الفيلم لو عاش ستانلى وحققه، لكنه يزيد أضعافا عديدة على عدد الهواة الذين يقبلون عادة على شراء كتاب عن فيلم. أما ما لم يقله طاشن فهو أن الكتاب يُعدّ منذ صدوره، وفى عالم الكتب التاريخية، أجمل كتاب عن نابليون نفسه صدر حتى اليوم.
مقالات اليوم عماد الدين حسين ترامب شريك أساسى فى إسرائيل الكبرى محمد أبو الغار السكرى.. جبل من ذهب.. لماذا لا نستغل الثروة المعدنية؟ ناجح إبراهيم حسنين هيكل بين عبدالناصر والسادات ليلى إبراهيم شلبي صحة العين من سلامة المخ أسامة غريب الأزمة المالية والشذوذ الجنسى عمرو حمزاوي استعراض قوة أم استعداد لحرب مدمرة.. عن الحشد العسكرى الأمريكى حول إيران محمد زهران مهارات ستندثر وأخرى ستولد محمود قاسم أغلى من حياتى معتمر أمين منتصف الليل فى الخليج.. ترامب يتردد وإسرائيل تضغط والبنتاجون يحذر بسمة عبد العزيز فى الأولويات مواقع عربية زمن الميتاميديا.. حين يتحوّل الواقع نفسه إلى خبر
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك