x قد يعجبك أيضا

عيد الميلاد

الخميس 26 فبراير 2026 - 6:45 م

فى كل أسرة يوجد شخص يكون هو المتعهّد بتجهيز مستلزمات أعياد الميلاد، وفى داخل أسرتى الصغيرة أنا أمثّل هذا الشخص. جميع الاستعدادات الخاصة بأعياد ميلاد الزوج والأولاد والأحفاد ومن قبلهم أعياد ميلاد والدّى رحمة الله عليهما تدخل فى صميم اختصاصى بشكل أو بآخر. أبدأ العدّ التنازلى للحدث السعيد بنحو أسبوع بجملة "عيد ميلاد مين قرّب؟"، وأجهز لليوم الموعود بالبالونات المملوءة بالهليوم وعليها العُمر وجملة هابى بيرث داى تو يو المعتادة مع الحرف الأول من اسم المُحتفى به. بشكل عام أحب التجهيز للمناسبات السعيدة لأنها موصّل جيد للسعادة ولأن الابتسامة على وجوه الذين نحبهم تساوى الدنيا وما فيها. ومن واقع خبرتى الطويلة جدا كمتعهدة حفلات أعياد الميلاد أستطيع أن أقول إن هذه المناسبة تعد كاشفة للتطورات التى يمّر بها المجتمع المصرى، وربما لا يلتفت البعض لهذه الملاحظة .
• • •
فى سن الطفولة كان الاحتفال بأعياد ميلادنا بسيطًا جدًا: تورتة وهدية وهابى بيرث داى تو يو فقط لا غير. لا أظن أننا كنا نغنى سنة حلوة يا جميل ولا كنّا نغنّى ياللا حالا بالا حيّوا أبو الفصاد مع أنها مشهورة، وبالتأكيد لم نكن نعرف أغنية إنزل يا جميل ع الساحة فقد ظهرت فى مرحلة متأخرة. كانت أجواء الاحتفال تناسب حياتنا كلها والأهم أنها كانت تناسب بساطة الحدث.. طفل انتقل من الرابعة إلى الخامسة أو من السادسة للسابعة.. نقطة ومن أول السطر وعقبال مائة سنة. مع سبعينيات الانفتاح السداح مداح بدأت تزحف القيم الاستهلاكية على مجتمعنا وتأثرتُ بها مثل كثيرين غيرى، لكن فى حدود. وهكذا وجدتنى أستعد استعدادًا خاصا للاحتفال بابنى البِكرى فى مطلع الثمانينيات.. أزيّن المنزل بالورق المفضّض، وينقطع نَفَسى فى نفخ البلالين، وأفكر لأول مرة فى إسعاد المدعوين من أطفال العائلة والأصدقاء بفقرة الساحر. لا توجد أى علاقة منطقية بين الاحتفال بعيد الميلاد وبين ألاعيب الساحر لكنها كانت موضة، وبينما هو يدهش الصغار بمفاجآته اللطيفة كنت أشغّل فى الخلفية أغنيات الأطفال. وهنا أذكر بكل خير الفنانة عفاف راضى التى كانت أغانيها للأطفال تناسب كل المناسبات، فكم من مرة قمت بتشغيل أغنية "همّ النّم يا روحى جايبة لك مم"، وأنا أُطعم ابنى شوربة الخضار المضروبة فى الخلاط. كنت أدعو الله فى سرّى أن يعينه على أكلها لأن طعمها لا يطاق، لكنى بمنتهى التصميم كنت أحرص على أن يأكلها حتى آخررررر ملعقة. كان اللبس الجديد أيضا من الطقوس الملازمة للاحتفال.. فهل يوجد عيد ميلاد بملابس مستعملة.. معقول؟. ترتبط هذه العادة فى ذهنى بذكرى مرعبة عندما كنت أشترى طقمًا جديدًا لابنى فى عيد ميلاده الثانى فإذا به يغافلنى ويسير وراء رجل بيده زجاجة حاجة ساقعة، وكاد الاحتفال أن ينقلب إلى كارثة لولا ألطاف الله.
• • •
المهم استمرت الزيادة فى مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد تتطوّر وتنمو بالتدريج بعدما كبر الأولاد وصارت لهم أسر، وبدأَت عملية التبارى بالابتكارات والتقاليع الجديدة فى المدارس الإنترناشيونال. هذه المدارس التى تشقى الطبقة الوسطى لتوفّر فيها تعليمًا متميّزًا لأبنائها، لكنها تجد نفسها فى موقع المقارنة مع الطبقة العليا التى تحتفل بأعياد ميلاد أبنائها خارج مصر أو فى الفنادق ذات الخمس نجوم. طبعا هناك دائما مساحة أمام الطبقة الوسطى لتوعية أبنائها بأن المدارس الإنترناشيونال هى للتعليم والتعليم فقط، لكن صعب جدًا على هذه الطبقة أن تقوم بفرز القيم التى تشيع فى تلك المدارس عن بعضها البعض، وصعب أن تجعل الأبناء خصوصًا فى سن الطفولة يبتلعون الفروقات الطبقية المهولة مع زملائهم فى نفس المدرسة ونفس الفصل ونفس الأوتوبيس، والله المستعان.
• • •
ومن الظواهر الأخرى التى ترتبط بأعياد الميلاد وتعكس التطورات التى مرّت بالمجتمع المصرى، ظاهرة الجدل حول حرمانية الاحتفال بأعياد الميلاد. فمن دون الوقوع فى خطأ التعميم لا أظن أن هناك أسرًا كثيرة لم يظهر فيها صوت واحد على الأقل ليقول: يا طنط الاحتفال بعيد الميلاد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار. هذه الظاهرة أيضا أخذَت تنضج على نار هادئة منذ فترة السبعينيات عندما حاول السادات ضرب اليسار بالإسلاميين فبدأ التحريم لأشياء كثيرة: الاختلاط والموسيقى وفوازير رمضان والمصافحة وكشف الشعر والبنطلون الطويل الذى يغطى الكاحل، وكذلك الاحتفال بأعياد الميلاد. فى الحقيقة كان تحريم الاحتفال بأعياد الميلاد هو جزء من تحريم الاحتفال بأى مناسبة أخرى بخلاف عيد الفطر وعيد الأضحى. وفى نطاق العائلة بمعناها الواسع كنت أقضى وقتًا يعتد به لإقناع بعض شباب هذه العائلة الذى يرفض الاحتفال بغير العيدين الصغير والكبير بأن إيماننا لن ينقص ذرة واحدة إن نحن احتفلنا بالمولد النبوى الشريف، أو أطفأنا شموع التورتة، أو أكلنا البيض الملوّن فى شم النسيم. لكن دون جدوى. ثم فيما بعد تكفّلت الحياة بتغيير موجة عدد من هؤلاء الشباب فى اتجاه مختلف، إما لأن المشاكل التى كانت تكبر معهم حبّة حبّة حبّة -على رأى طلعت عطية- تكفّلت بجعلهم ينسون المسائل الأقل أهمية، وإما لأنهم نضجوا وأصبحوا ينظرون للأمور بشكل مختلف، وإما لأنهم اكتشفوا أن الدعاة الجدد كانوا يحرمون على جمهورهم ما يحللونه لأنفسهم، وقد توجد أسباب أخرى. لكن هناك عددا آخر من شباب العائلة قرر المضّى فى هذه الطريق حتى نهايتها ومازال يشارك بفعالية فى الجدل السنوى العقيم حول ما إذا كانت تجوز تهنئة "الإخوة المسيحيين" بمناسبة ميلاد السيد المسيح عليه السلام أم لا تجوز. أما التهنئة فى عيد القيامة فهى خارج نقاشاتهم من الأصل.
• • •
هذه الأفكار راودتنى على هامش احتفالى بعيد ميلادى هذا العام.. وأنا لست من الذين يعتقدون أن عمرهم سُرق منهم، وأنهم ناموا واستيقظوا فوجدوا أنفسهم قد أتمّوا الأربعين أو الخمسين أو الثمانين. بالعكس أنا واعية تمامًا بأننى خلال هذا العمر الطويل حققت أحلامًا وصاحبت أحبابًا وكوّنت أسرة تفرّع عنها المزيد من الأسر.. سافرتُ واشتغلتُ وأنجزتُ وأُحبطتُ وفشلتُ وامتلأت ونحفتُ مرات. سهرتُ حتى الفجر ونمتُ كالكتاكيت، وتعلمتُ وعلّمتُ ومرضتُ حتى الموت وكنتُ زى البمب فى معظم الأحيان.. فكيف لى إذن أن أقول إننى فوجئت بمرور السنين؟ شاءت الظروف فى هذا العام أن أكون بعيدة عن بيتى عند حلول عيد ميلادى.. وهكذا غاب متعهّد الحفلات الذى هو أنا ليعتنى كالعادة بتفاصيل التفاصيل ويشتغل شغل المعلّم لابنه أو بتعبير أدق لنفسه. لكن مفاجأة سارة كانت فى انتظارى، فلقد فوجئت بأننى ربيت جيلًا على مستوى المسئولية ملأ لى البيت بالبلالين والزينة وغنّى لى على البُعد هابى بيرث داى تو يو وكأننى موجودة فى شقتى بالضبط، وهذا شىء لطيف.. بل هو لطيف جدًا.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة