x قد يعجبك أيضا

مصير لغتنا فى عصر الذكاء الاصطناعى

الجمعة 17 أبريل 2026 - 7:30 م

من غير الممكن النظر إلى الثورة الراهنة فى مجال الذكاء الاصطناعى بوصفها مجرد طفرة تقنية فى معالجة البيانات، بل هى فى جوهرها «انعطافة لسانية» كبرى تعيد تعريف علاقة الإنسان باللغة، وبناء عليه، علاقة الأمم بهويتها الحضارية.


يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعى حدود الأدوات المكتبية ليضرب فى عمق البنية اللسانية للمجتمعات. ففى خضم الاعتماد المفرط على نماذج لغوية مستوردة، نواجه خطر ما يمكن تسميته بـ«التسطيح اللغوى»؛ حيث تفقد اللغة قدرتها على التعبير عن الخصوصيات الثقافية والجمالية، وتتحول إلى مجرد أداة نفعية مسطحة. ومن ناحية أخرى، تسود حالة من «السير نوما رقميا» مع استخدام هذه النماذج، التى تنتج تارة صيغًا يمكن ملاحظتها تتضمن، مثلًا، تنوين الفتح على الحرف الأخير، وتارة أخرى على الحرف الذى يسبقه. وليست الإشكالية هنا فى وجود هذا التنوع الهائل للمعلومات التى ما انفكت تملأ منشورات وتغريدات منصتى «فيسبوك» و«إكس» من قبل مستخدمين عرب، فهو فى واقع الأمر انعكاس لخلاف إملائى قديم بين مدرسة الخليل وسيبويه التى تضع التنوين على الحرف قبل الألف، ومدرسة أبى عمرو الدانى التى تجيز وضعه على الألف نفسها، وكلاهما معتبر فى تاريخ النحو العربى.. إنما تكمن المشكلة الحقيقية فى المستخدم الذى يتلقى هذه المخرجات بوصفها قالبا جاهزا لا يستدعى فهما أو تمييزا؛ وهو ما يجسد أحد أخطر مظاهر الاغتراب الخوارزمى، أى تعطيل الوعى اللغوى لمصلحة الامتثال الآلى، بما يحول اللغة من قالب للفكر إلى منتج استهلاكى خاضع لمنطق الخوارزمية.


• • •
تشير التقديرات التقنية للعام 2025 إلى أن المحتوى العربى عالى الجودة لا يتجاوز 1% من المحتوى العالمى على الإنترنت، على الرغم من أن المتحدثين بالعربية يمثلون نحو 5% من سكان العالم. هذه الفجوة تخلق ما يشبه "الأنيميا المعرفية" فى النماذج الذكية العاملة باللغة العربية. فالآلة التى تدرب على بيانات هزيلة أو ملوثة بالركاكة اللغوية لن تنتج إلا مخرجات باهتة تعكس هذا الفقر. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن استعادة السياد

ة على لغتنا فى فضاء رقمى يتحكم فيه آخرون؟ الإجابة تبدأ من بناء "مستودعات بيانات سيادية" تضم أمهات الكتب العربية، والأبحاث العلمية الرصينة، والنتاج الثقافى المعاصر الجاد، لتكون هى الوقود الحقيقى لذكاء اصطناعى عربى المنشأ والروح والهدف.
غير أن مسألة استعادة السيادة لا يمكن أن تكون مجرد عملية تقنية؛ فهى تتطلب فهما عميقا للتحديات البنيوية التى تطرحها اللغة العربية أمام المنطق الخوارزمى. أولى هذه التحديات هى إشكالية «الازدواجية اللغوية» (Diglossia)؛ حيث يعيش العقل العربى حالة من التراوح المستمر بين الفصحى (لغة البيان والتدوين والخطاب الرسمى) والدارجات المحلية (لغة الوجدان والحياة اليومية والتواصل الحميمى). النماذج الحالية، على الرغم من تطورها الملحوظ، لا تزال تعانى فى جسر هذه الفجوة، ما يولد نوعًا من «الانفصام الرقمى» بين ما تنتجه الآلة وما يحتاجه المستخدم فعلًا. فالآلة قد تنجح فى صوغ بيان رسمى ببرود تقنى، لكنها تفشل فى استيعاب التلميحات الثقافية أو الأمثال الشعبية أو التعابير الاصطلاحية التى تشكل جوهر التواصل الإنسانى العربى فى سياقاته المختلفة


وإلى جانب الازدواجية، تطرح البنية المورفولوجية للعربية تحديًا خوارزميًا من نوع آخر؛ فاللغة العربية تتميز بنظام اشتقاقى جذرى يختلف جوهريا عن اللغات الهندوأوروبية التى صممت على أساسها معظم الخوارزميات الحالية. فعملية الترميز (Tokenization) التى تعتمدها هذه النماذج غالبا ما تفتت الكلمة العربية مفقدة إياها ميزتها الصرفية والدلالية؛ وهذا ما يؤدى إلى استهلاك طاقة حوسبية أكبر بمخرجات أقل دقة وفهما للسياق.


إننا بحاجة، إذن، إلى هندسة لغوية عربية تعيد بناء الخوارزميات وفق مفهومى الجذر والوزن كقاعدة للذكاء، لا مجرد معالجة الكلمات ككتل إحصائية صماء. هذا بدوره يتطلب تعاونًا وثيقًا بين اللسانيين العرب ومهندسى البيانات، بحيث تترجم معرفة القرون بالنحو والصرف العربى إلى بنى خوارزمية قادرة على محاكاة هذا الثراء الاشتقاقى.
• • •
وإذا كانت اللغة فى العصر الرقمى قد تحولت من مجرد وسيلة تواصل إلى «أصل استراتيجى» فى صراع القوى الكبرى، فإن السؤال الذى يطرح نفسه بإلحاح هو: من يملك القدرة على صوغ السرديات فى عالم تتحكم فيه الخوارزميات؟ الجواب يبدو بديهيًا: من يمتلك الأنموذج اللغوى الأقوى، يمتلك القدرة على توجيه الرأى العام العالمى، وعلى فرض رؤيته للعالم بوصفها «الحقيقة الموضوعية». إن الاعتماد الكلى على نماذج لغوية تطورها شركات تكنولوجية كبرى أو ناشئة فى وادى السيليكون أو بكين يضع الأمن الثقافى العربى فى مهب الريح؛ لأن هذه النماذج تعمل كمرشحات معرفية تحدد ما هو مقبول أو مرفوض، ما هو صحيح أو خاطئ، وكل ذلك وفقًا لمعايير المجتمعات التى أنتجتها، لا وفقًا لقيمنا أو احتياجاتنا.


لذلك، ليس من قبيل المصادفة أن نشهد فى العامين الأخيرين بروز مبادرات عربية واعدة تهدف إلى بناء نماذج لغوية عملاقة باللغة العربية، مثل نموذج «هيوماين تشات» فى السعودية، إلى جانب نموذج «فنار» فى قطر. هذه الخطوات ليست مجرد محاكاة للغرب أو للصين، بل هى «فعل مقاومة رقمى» يسعى إلى توطين التكنولوجيا وجعلها تتحدث بلساننا، وتفكر، قدر الإمكان، بعقولنا. غير أن نجاح هذه المبادرات يتوقف على قدرتها على التكامل من ضمن منظومة معرفية وتعليمية شاملة. وفى غمرة هذا السعى نحو التوطين التقنى، يتطلب التعامل الرشيد مع الذكاء الاصطناعى فى سياق اللغة العربية تجاوز عقلية «المستهلك السلبى» والتحول نحو «المنتج المعرفى» الذى يمتلك أدوات صناعة مستقبله. فنحن أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بعث التراث العربى الضخم من خلال الرقمنة الذكية، وتحويل المكتبة العربية، بكل ما تحتويه من كنوز معرفية تمتد عبر أربعة عشر قرنا، إلى مادة حية تثرى الحوار الحضارى العالمى.


فى المحصلة، إن مصير اللغة العربية فى عصر الذكاء الاصطناعى ليس حتمية تقنية مفروضة بل هو خيار سياسى واستراتيجى يتوقف على قدرة الأنظمة العربية على إرساء «السيادة اللغوية» كركيزة أساسية للسيادة المعرفية والثقافية. فإما أن تنخرط لغة الضاد فاعلة ومبدعة فى صنع الخوارزميات وتشكيل المستقبل الرقمى، أو ستجد نفسها محصورة فى هامش «الاغتراب الرقمى»، حيث تصبح لغة الأمة مجرد بيانات خام توظف لخدمة أجندات حضارية مغايرة، وحيث يتآكل الوعى اللغوى جيلًا بعد جيل لمصلحة الامتثال الآلى والاستهلاك السلبى.


رامز صلاح

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى:

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة