x قد يعجبك أيضا

إذا لم تكن الجامعات... فمن

الجمعة 17 أبريل 2026 - 7:20 م

من له الحق أن يقول إنك تجيد تخصصا معينا؟
هل الجامعات مجرد مشروع اقتصادى؟
ماذا عن البحث العلمى؟


مقال الأسبوع الماضى (هل ما زلنا نحتاج إلى الجامعات؟) أثار بعض النقاشات وطرح العديد من الأسئلة، وهذا شىء جيد، ودفعنى لأتبعه بمقال اليوم لنحاول تحليل بعض الأسئلة التى أثُيرت. السؤال الأهم هو إذا اختفت الجامعات فكيف تثق فى الطبيب الذى يعالجك أو المهندس الذى يصمم الكبارى والمنشآت السكنية؟ لأنه قد يأتى أى شخص ويقول إنه درس التخصص عن طريق برمجيات الذكاء الاصطناعى. السؤال الثانى متعلق بدور الأساتذة إذا اختفت الجامعات. هذا ما سنناقشه اليوم، وكما أقول دائما نحن نطرح أسئلة ونحاول إعطاء إجابات، لكن كله مطروح لنقاش بناء.


•••
مزاولة المهنة
عندما تحصل على بكالوريوس هندسة أو طب من جامعة معترف بها فإن هذا اعتراف ضمنى أنك تمتلك الحد الأدنى من المهارة والمعلومات فى هذا التخصص، مع ممارسة المهنة وازدياد الخبرة ستزداد مهارتك، لكن ماذا لو اختفت الجامعات؟ لن يثق فيك أى مريض إذا قلت له أنك تدربت على أيدى برمجيات ذكاء اصطناعى، خاصة وأن الطب من الكليات العملية، إذا نحتاج شيئين: الأول وسيلة تضمن التدريب العملى الحقيقى، والثانى هو وجود هيئة أو مؤسسة رسمية تمنح وثيقة رسمية تقول إن صاحب تلك الوثيقة يمتلك الحد الأدنى من المعرفة فى مجال التخصص، الجامعة كانت هى المكان المنوط به القيام بتلك المهمة، أما وإننا نتخيل اختفاء الجامعات فإن هذا يستلزم وجود مؤسسة لا تقوم بالتعليم والتدريب بل بامتحان المتقدمين امتحانا شاملا على عدة أيام، وإذا نجح فى هذا الامتحان يكون مؤهلا للعمل فى تلك المهنة.
بخصوص النقطة الأول فالبرمجيات لن تقوم فقط بإعطاء المادة العلمية لكن أيضا التدريب العملى فى التخصصات التى تحتاجه عن طريق الواقع المعزز (augmented reality) وأدوات المحاكاة (simulators) كما نرى الآن فى تدريبات الطيارين مثلا. لكن فى مجال مثل الطب، يجب التدريب فى مستشفيات تحت إشراف أطباء أكثر خبرة وتحت مراقبة برمجيات الذكاء الاصطناعى، أى إننا فصلنا التدريب العملى عن الجامعة.
قد يقول قائل: لماذا أنت ضد الجامعات؟ أنا لست ضد الجامعات لكن ضدها بحالتها الحالية التى جعلتها أشبه بالمشروعات الاقتصادية منها إلى مؤسسات تعليمية، قد يرد آخر ويقول: لكن المؤسسات التعليمية الكبيرة تحتاج تمويلا كبيرا وهذا يأتى من المصروفات الدراسية وتبرعات الشركات وكبار رجال الأعمال. هذا صحيح لكن هذا يضع تلك المؤسسات التعليمية تحت رحمة الممولين، وأيضا تحت رحمة «الزبون» وهو الطالب الذى لا يتنازل عن الدرجات العالية طالما دفع المصروفات ويطلب حفلات ورحلات إلخ، وبهذا تفقد تلك المؤسسات استقلالها وأهدافها الأساسية.
هذا عن الجامعات، فماذا عن الأساتذة؟


•••
مستقبل الأساتذة
مع كل ما تحدثنا عنه يبقى السؤال الهام: ما مستقبل أساتذة الجامعة؟ كنا قد ناقشنا هذا الموضوع فى مقال سابق بعنوان «مشكلة محيرة.. الأستاذ الجامعى فى عصرنا الحالى» بتاريخ 5 ديسمبر 2025، لكن هذا النقاش يحتاج أن نضعه الآن فى سياق مستقبل الجامعات، يجب أن نعى أن فى وقتنا هذا هناك نوعان من الأساتذة: النوع الأول هو من يحب التدريس حقا ويبذل فيه جهدا ويشعر أن التأثير الإيجابى فى الطلبة هى أكبر جائزة، أما النوع الثانى فيهتم بالبحث العلمى، التدريس بالنسبة للنوع الثانى هو شر لابد منه حتى وإن حاول إقناع نفسه بغير ذلك، من يحب التدريس والبحث العلمى معا ويبذل الجهد الكبير فيهما معا هم قلة قليلة جدا، وهذه القلة القليلة تواجه مشكلتين: حتى تبرع وتكون من الصف الأول فى التدريس أو البحث العلمى فعليك أن تعطيه كل وقتك، لكن إذا أعطيت نصف وقتك لكل منهما فلن تنافس من يعطى وقته كله لأحدهما، المشكلة الثانية أنهما سيستنزفان كل وقتك ولن يكون عندك حياة خارج الجامعة. كل هذا عن الوضع الحالى، فماذا عن المستقبل؟
• إذا كان الأستاذ من النوع المهتم بالتدريس فسيكون عليه إما أن يقوم بمناقشة الطلبة فى فلسفة المواد العلمية وعلاقة المواد ببعضها بعد أن يكونوا قد تعلموا المادة العلمية عن طريق البرمجيات، وقد ناقشنا تلك النقطة فى مقالنا «مشكلة محيرة.. الأستاذ الجامعى فى عصرنا الحالى».
• هذه النقطة متعلقة أيضا بالأستاذ المهتم بالتدريس وهى تيسير وإعطاء المادة العلمية للبرمجيات التى ستقوم بالتدريس للطلبة. هذا موضوع مختلف قليلا عن تعليم الآلة، ومازال فى طوره الأول ويتحسن، لكننا نتكلم عن المستقبل الذى ليس ببعيد. هذه النقطة بالذات تحتاج تضافر جهود علماء الكمبيوتر والأساتذة الجامعيين فى مختلف التخصصات.
• النوع الثانى من الأساتذة وهو المهتم بالبحث العلمى فسيكون حظه ممتازا من ناحية أن برمجيات الذكاء الاصطناعى أصبحت فى منتهى القوة فى مجالات البحث العلمى مثل البحث فى الأوراق البحثية وتلخيصها وتحديد الفجوات ونقاط الضعف ثم مساعدة الباحث فى توليد الأفكار وتوليد التجارب وتحليل النتائج، بمعنى آخر يستطيع الأستاذ الباحث الحصول على جيش من المساعدين الذين يعملون بلا كلل. هذا طبعا يطرح السؤال: لماذا إذا يحتاج الأستاذ إلى العمل مع باحثين من البشر طالما البرمجيات تقوم بأغلب العمل؟ هذا السؤال يحتاج مقالا مستقلا لكن نقول إن الأستاذ يحتاج العمل مع الباحثين من أجل تدريب الجيل الجديد، أعتقد (وهذا رأى شخصى) التدريب على البحث العلمى وطرائقه لا يمكن عمله عن طريق برمجيات الذكاء الاصطناعى لأنه يحتاج تفكيرا نقديا ومهارة طرح الأسئلة وتوليد أفكار مبتكرة إلخ. السبب الثانى فى الحاجة إلى العمل مع باحثين من البشر هو القدرة على توليد أفكار جديدة والنظر للموضوع البحثى من زوايا عدة، البرمجيات قد تساعد فى ذلك لكن لا يمكن الاستغناء عن العامل البشرى.


•••
الجامعات ووظيفتها مرت بعدة أطوار منذ ظهور الجامعات وحتى عصرنا الحالى كرد فعل على التطور المجتمعى والاقتصادى، والآن أعتقد أننا فى منعطف طرق يستلزم شكلا جديدا وليس مجرد تغيير فى بعض المناهج. الجامعات فى الأساس ليست مشروعا اقتصاديا، وهذا العصر الرأسمالى القاسى الذى نعيشه هو ما أدى بها إلى ما هى عليه الآن.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة