إماء وحرائر.. التحرش كبديل عن الرق

الجمعة 17 أبريل 2026 - 7:30 م

حتى الآن ما زال الطلبة فى الكليات المتخصصة فى الدين يدرسون أن الحجاب للحرائر من النساء فقط، أما الإماء والجوارى وفتيات ملك اليمين فمن الضرورى أن يكون النصف الأعلى من أجسادهن عاريا.. ولا نقول إن هذا العرى مسموح، لكن نقول إنه ملزم وإجبارى ولا يمكن التساهل مع من تخالفه.. والعلة أن هذا يسهّل تمييز الحرة من غيرها عندما تسير فى الطريق!


السلفيون المتدينون بغباء يقرأون هذا فتشتعل رءوسهم بأن الحياة يجب أن تتغير حتى يتم شطب القوانين التى شرعها المحتل الأجنبى الذى ألغى الرق من بلادنا. يجب أن يعود الرق والعبودة ودنيا السبى والجوارى حتى يكون لفقه العبيد والجوارى الموجود فى الكتب معنى! إن الطلبة يدرسون هذه الأشياء فى الإعدادى والثانوى الأزهرى ثم يلتفتون حولهم فيجدون مجتمعا يختلف عما يدرسون. هؤلاء الناس يريدون أن يلووا عنق الحياة حتى تتناسب مع ما احتشت به عقولهم. يريدون إقامة الدولة الإسلامية التى تعيد وجه الإسلام الناصع إلى الحياة فتعيد الرق والعبودية باعتبار ذلك ضرورة مجتمعية ودينية، وما يؤكد على هذه الضرورة أن هناك ذنوبا كفارتها هى عتق رقبة، فكيف يتمكن الموسرون من الهروب من العقاب من خلال عتق رقبة إذا لم تكن أسواق العبيد والجوارى مفتوحة بشكل رسمى وفى كنف ورعاية الدولة؟


وعلى الرغم من أن الأجنبى قد قام بمنع تجارة الرقيق فى بلادنا، فالرق بمعناه الأوسع ما زال موجودا وما زالت الأسئلة تدور فى رأسى بشأن الزى الواجب ارتداؤه بالنسبة لخادمات المنازل وعاملات التراحيل والفتيات اللاتى يلتقطن الدودة من محصول القطن.. أليس هؤلاء هم إماء العهد الحاضر اللاتى يتوجب عليهن كشف الصدور لتمييزهن عن الهوانم والحرائر؟ وقد يمتد الحبل ليشمل الموظفات الفقيرات وكل النساء الأخريات بعيدا عن طبقة الهوانم اللاتى يحق لهن أن يستمتعن وحدهن بالستر. لا أريد بطبيعة الحال للنسوة رقيقات الحال أن تسير الواحدة منهن كاشفة صدرها مثل حال الإماء فى السابق، لكنى فقط أتساءل بعد أن فرضت الفاقة العبودية على كل النساء العائشات تحت خط الفقر.. هل يجوز أن نعتبرهن من الحرائر فنحميهن ونصونهن، أم أنّ التحرش الخشن المباح الذى تتعرض له الفقيرات فى طول الوطن وعرضه تحت سمع وبصر وبين ظهرانى المتدينين، يعتبر بديلا عن مهانة السير بصدر مكشوف فى الشارع التى كانت دليلا على المرأة الفقيرة المهزومة فى دولة الخلافة!


أظن أن التسامح المجتمعى مع جريمة التحرش التى تتم ضد النساء معدومات الحيلة هو تعويض عن الرق الذى ألغاه المحتل الأجنبى وأثار وقتها حفيظة رجال الدين الذين كان معظمهم يكدسون العبيد والإماء والجوارى فى دورهم، وأعتقد أن النقمة على النساء ظلت كامنة بعد أن تساوت الإماء بالحرائر بقوة القانون، ولهذا فقد تربص سدنة الدين بالمجتمع حتى ضعف ووهن وهان ولم تعد لديه القدرة على حماية النساء، فقرروا إعادة فرض العبودية عليهن من جديد من خلال التشجيع الضمنى على التحرش فى الخطب والدروس، وإعطاء المتحرش العذر لأن ظهور الفتيات والنساء فى الشارع يثير غرائز الرجال.


إن الإسلام قد شجع على العتق وجعل ثوابه عند الله كبيرا، لكن المشكلة أن الأغنياء كانوا بعد أن يعتقوا رقبة ينزلون السوق ويشترون عشر رقاب بدلا من التى تم عتقها، وبهذا تفاقمت المشكلة بدلا من أن تذوب، والشيخ الشهير الذى خطب فى أنصاره داعيا إلى أهمية إقامة أسواق للنخاسة وبيع العبيد كان يرى أن دين المرء لا يكتمل بغير وجود العبيد، ذلك أن بعض الذنوب طبقا لقوله تحتاج إلى عتق رقبة كفارة لها، وبدون وجود أسواق العبيد لن نستطيع أن نرتكب الذنوب براحتنا ثم نكفر عنها! وربما أن هذه الدماغ «المتكلفة» هى ما جعلت معظم رجال الدين يرون أن السبى هو ركن أساسى من أركان الدين وأن منكر السبى كافر كما قال أحد كبرائهم.


إذن فالتحرش هو الصورة الجديدة التى اجترحها المجتمع المتدين بالفطرة للرق واستعباد المرأة.. لقد نجح الرجل فى التحايل على القانون الذى يمنع شراء المرأة من السوق ومداعبتها جنسيا واغتصابها فى عملية يقول رجال الدين إنها حلال تماما، وقام هؤلاء الرجال بتعميم مسلك جديد لامتهان الأنثى هو التحرش بدرجاته المختلفة فى الطرقات والمواصلات والأسواق والحدائق وسائر الأماكن التى تظهر بها النساء.


ترى هل نحتاج إلى أجنبى جديد يأتى ليفرض علينا إلغاء التحرش كما قام بإلغاء الرق فى السابق، أم أن هذا قد يدفع حراس الفضيلة إلى ابتكار وسائل جديدة تضمن استمرار مهانة المرأة؟

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة